تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر مسير معاوية الى الحجاز وكيف أخذ البيعة ليزيد على أهل الحجاز

قال: وفى هذه السّنة اعتمر معاوية فى شهر رجب، وسار إلى الحجاز فى ألف فارس، فلما دنا من المدينة لقيه الحسن بن على رضى الله عنهما أول الناس، فلما نظر إليه معاوية قال: «لا مرحبا ولا أهلا! بدنة يترقرق دمها والله مهريقه!» قال: مهلا فإنى لست بأهل لهذه المقالة. قال:

بلى ولشرّ منها.

ثم لقيه عبد الله بن الزّبير فقال له: «لا مرحبا ولا أهلا! خبّ ضبّ، تلعة يدخل رأسه فيضرب بذنبه، ويوشك والله أن يؤخذ بذنبه ويدقّ ظهره، نحّياه عنى» فضرب وجه راحلته.

ثم لقيه عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق فقال له معاوية:

«لا مرحبا ولا أهلا! شيخ قد خرف وذهب عقله» ثم أمر بضرب وجه راحلته: ثم فعل بابن عمر نحو ذلك.

فأقبلوا معه لا يلتفت إليهم حتّى دخل المدينة، فحضروا بابه فلم يؤذن لهم على منازلهم، ولم يروا منه ما يحبون، فخرجوا إلى مكة، فأقاموا بها.

وخطب معاوية بالمدينة، فذكر يزيد فمدحه، وقال: «من أحق منه بالخلافة فى فضله وعقله؟ وموضعه؟ وما أظن قوما بمنتهين حتى يصيبهم بوائق تجتثّ أصولهم، ولقد أنذرت إن أغنت النّذر، ثم أنشأ متمثلا:

قد كنت حذّرتك آل المصطلقوقلت يا عمرو أطعنى وانطلق
إنّك إن كلّفتنى ما لم أطقساءك ما سرّك منّى من خلق

دونك ما استسقيته فاحس وذق ثم دخل على عائشة رضى الله عنها وقد بلغها أنه ذكر الحسين وأصحابه، فقال: «لأقتلنهم إن لم يبايعوا» فشكاهم إليها، فوعظته عائشة وقالت: بلغنى أنك تتهدّدهم بالقتل، فقال: «يا أم المؤمنين، هم أعزّ من ذلك، ولكنى بايعت ليزيد، وبايعه غيرهم، أفترين أن أنقض بيعة قد تمت؟». قالت: فارفق بهم فإنهم يصيرون إلى ما تحبّ إن شاء الله. قال: أفعل. وكان فى قولها له: ما يؤمنك أن أقعد لك رجلا يقتلك وقد فعلت بأخى ما فعلت؟ تعنى محمدا فقال لها: كلّا يا أم المؤمنين إنى فى بيت أمن. قالت: أجل.

ومكث معاوية بالمدينة ما شاء الله، ثم خرج إلى مكة، فلقيه

الناس، فقال أولئك النفر: نتلقّاه لعله قد ندم على ما كان منه، فلقوه فى بطن مرّ، فكان أول من لقيه الحسين رضى الله عنه، فقال له معاوية: مرحبا وأهلا بابن رسول الله وسيّد شباب المسلمين.

وأمر له بدابّة وركب وسايره، ثم فعل بالباقين مثل ذلك، وأقبل يسايرهم ولا يسير معه غيرهم حتى دخل مكة، فكانوا أول داخل عليه وآخر خارج، ولا يمضى يوم إلا ولهم منه صلة، ولا يذكر لهم شيئا، حتّى قضى نسكه وحمل أثقاله وقرب مسيره، فقال بعضهم لبعض: «لا تخدعوا فما صنع هذا لحبّكم، وما صنعه إلا لما يريد أن يفعل، فأعدوا له جوابا» فاتفقوا على أن يكون المخاطب له عبد الله ابن الزبير.

فأحضرهم معاوية وقال: «قد علمتم سيرتى فيكم، وصلتى لأرحامكم وحملى ما كان منكم، ويزيد أخوكم وابن عمكم، وأردت أن تقدّموه باسم الخلافة، وتكونوا أنتم تولّون وتعزلون وتؤمّرون، وتجبون المال وتقسمونه، ولا يعارضكم فى شىء من ذلك». فسكتوا، فقال: ألا تجيبون؟ مرّتين.

ثم أقبل على عبد الله بن الزبير ثم قال: هات فلعمرى إنك خطيبهم. قال: نعم، نخيّرك بين ثلاث خصال. قال: اعرضهنّ. قال:

تصنع كما صنع رسول الله ﷺ، أو كما صنع أبو بكر، أو كما صنع عمر رضى الله عنهما، قال معاوية: ما صنعوا؟ قال: قبض

رسول الله ﷺ ولم يستخلف أحدا، فارتضى الناس أبا بكر. قال: ليس فيكم مثل أبى بكر وأخاف الاختلاف. قالوا:

«صدقت فاصنع كما صنع أبو بكر، فإنه عمد إلى رجل من قاصية قريش ليس من بنى تيم فاستخلفه، أو كما صنع عمر، جعل الأمر شورى فى ستة نفر، ليس فيهم أحد من ولده ولا من بنى أبيه».

قال معاوية: هل عندك غير هذا؟ قال: لا، قال: فأنتم؟ قالوا:

قولنا قوله: قال «فإنى أحببت أن أتقدم إليكم، إنه قد أعذر من أنذر، إنى كنت أخطب، فيقوم إلى القائم منكم فيكذّبنى على رؤوس الناس، فأحمل ذلك وأصفح، وإنّى قائم لمقالة فأقسم بالله لئن ردّ علىّ أحد منكم كلمة فى مقامى هذا لا ترجع إليه كلمة غيرها حتّى يسبقها السيف إلى رأسه، فلا يبقينّ رجل إلا على نفسه!».

ثم دعا صاحب حرسه حضرتهم فقال له: أقم على رأس كل رجل من هؤلاء رجلين، ومع كل واحد سيف، فإن ذهب رجل منهم يرد علىّ كلمة بتصديق أو تكذيب فليضرباه بسيفيهما.

ثم خرج وخرجوا معه حتى رقى المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

«إن هؤلاء الرّهط سادة المسلمين وخيارهم، لا يبرم أمر دونهم ولا يقضى إلّا عن مشورتهم، وإنهم قد رضوا وبايعوا ليزيد، فبايعوا على

اسم الله». فبايع الناس وكانوا يتربّصون بيعة هؤلاء النفر، ثم ركب معاوية رواحله وانصرف إلى المدينة.

فلقى الناس أولئك النفر فقالوا لهم: زعمتم أنكم لا تبايعون فلمّا أرضيتم وأعطيتم بايعتم! قالوا: والله ما فعلنا. قالوا: فما منعكم أن تردّوا على الرجل؟ قالوا: كادنا وخفنا القتل.

وبايعه أهل المدينة، ثم انصرف إلى الشام، وجفا بنى هاشم، فأتاه ابن عبّاس فقال له: ما بالك جفوتنا؟ قال: إن صاحبكم لم يبايع ليزيد فلم تنكروا ذلك عليه. فقال: «يا معاوية، إنى لخليق أن أنحاز إلى بعض السواحل، فأقيم به، ثم أنطلق بما تعلم حتى أدع الناس كلهم خوارج عليك». قال يا أبا العباس تعطون وترضون وترادّون !.

وقيل: إن ابن عمر قال لمعاوية: «أبايعك على أنى داخل فيما تجتمع عليه الأمة، فو الله لو اجتمعت على حبشى لدخلت معها». ثم عاد إلى منزله، فأغلق بابه، فلم يأذن لأحد.

وقد ذكرنا وفاة عبد الرحمن بن أبى بكر فى سنة ثلاث وخمسين، والمشهور أنه كان فى هذه الحادثة باق، وقد ورد خبره مع مروان ابن الحكم وما قالته عائشة رضى الله عنها فى الصحيح.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.