تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر وفاة زياد بن أبيه

كانت وفاته بالكوفة يوم الثلاثاء لأربع خلون من شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين، واختلف فى مولده، فقيل: ولد عام الهجرة، وقيل: قبل الهجرة وقيل ولد يوم بدر. وقال المدائنى: ولد عام التاريخ.

وكان يكنى «أبا المغيرة» حكاه أبو عمر قال: وليست له صحبة ولا رواية، قال: وكان رجلا عاقلا فى دنياه، داهية، خطيبا، له قدر وجلالة عند أهل الدنيا.

قال أبو جعفر الطبرى ﵀: وكان زياد كتب إلى معاوية: «إنى قد ضبطت لك العراق بشمالى، ويمينى فارغة، فاشغلها بالحجاز». ففعل. فلما بلغ ذلك أهل الحجاز أتى نفر منهم عبد الله ابن عمر بن الخطاب! فذكروا ذلك له، فقال: ادعوا الله عليه يكفيكموه.

فاستقبل القبلة واستقبلوها، فدعوا ودعا، وكان من دعائه أن قال:

اللهم اكفنا يمين زياد! فخرجت طاعونة على إصبع يمينه، فمات منها فلما حضرته الوفاة دعا شريحا القاضى فقال: قد حدث بى ما ترى، وقد أمرت بقطعها فأشر على. فقال شريح: إنى أخشى أن يكون الأجل قد دنا فتلقى الله أجذم، وقد قطعت يدك كراهية لقائه، أو أن يكون فى الأجل تأخير، فتعيش أجذم ويعيّر ولدك» فقال: لا أبيت والطاعون فى سجاف واحد، وخرج شريح من عنده فسأله الناس، فأخبرهم فلاموه، وقالوا: هلا أشرت بقطها؟ فقال: «المستشار مؤتمن ». وقيل أراد زياد قطعها، فلمّا رأى النار والمكاوى جزع وتركها وقيل: تركها لما أشار عليه شريح.

ولمّا حضرته الوفاة قال له ابنه: هلّا هيأت لك ستين ثوبا أكفنك بها، فقال: يا بنّى قد دنا من أبيك لباس خير من لباسه أو سلب سريع!

فمات ودفن بالثّويّة إلى جانب الكوفة، وهو موضع فيه مقبرة الكوفة.

فلما بلغ موته ابن عمر قال: «اذهب ابن سميّة! لا الآخرة أدركت، ولا الدنيا أبقيت عليك!».

قال: وكان زياد فيه حمرة، وفى عينه اليمنى انكسار، أبيض اللحية مخروطها، عليه قميص ربما رقّعه.

وفيها مات الربيع بن زياد الحارثى عامل خراسان قبل وفاة زياد، وكان سبب موته أنه سخط قتل حجر بن عدى، حتى إنه قال: «لا تزال العرب تقتل بعده صبرا ! ولو نفرت عند قتله لم يقتل رجل منهم صبرا، ولكنها أقرّت فذلّت!» ثم مكث بعد هذا الكلام جمعة، ثم خرج يوم الجمعة فقال: «أيها الناس، إنى قد مللت الحياة، وإنّى داع بدعوة فأمّنوا». ثم رفع يديه بعد الصلاة فقال: اللهمّ إن كان لى عندك خير فاقبضنى إليك عاجلا! وأمّن الناس، ثم خرج، فما توارت ثيابه حتى سقط، وحمل إلى بيته، واستخلف ابنه عبد الله، ومات من يومه، ثم مات ابنه بعده بشهرين، واستخلف خليد بن پربوع الحنفى، فأقرّه زياد، ولما مات زياد كان على البصرة سمرة بن جندب، وعلى الكوفة عبد الله بن خالد بن أسيد، فأقرّ معاوية سمرة على البصرة ثمانية عشر شهرا، وقيل ستة أشهر ثم عزله، فقال سمرة: «لعن الله معاوية! والله لو أطعت الله كما أطعته ما عذبنى أبدا!».

وحج بالناس فى هذه السنة سعيد بن العاص.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.