من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر مقتل حجر بن عدى وعمرو بن الحمق وأصحابهما
وفى هذه السنة كان مقتل حجر بن عدى وأصحابه، وسبب ذلك أن معاوية لما استعمل المغيرة بن شعبة على الكوفة، أمر بشتم علىّ رضى الله عنه وذمّه والترحّم على عثمان والاستغفار له وعيب أصحاب على، فأقام المغيرة على الكوفة وهو أحسن الناس سيرة، غير أنه لا يدع شتم علىّ والوقوع فيه، والدعاء لعثمان والاستغفار له، فلما سمع ذلك حجر بن عدىّ قال: بل إياكم قد ذمّ الله ولعن! ثم قام فقال: أنا أشهد أن من تذمّون أحقّ بالفضل، ومن تزكّون أولى بالذم! فيقول له المغيرة يا حجر اتق هذا السلطان وغضبه وسطوته، فإن غضب السلطان يهلك أمثالك. ثم يكفّ عنه.
فلما كان فى آخر إمارته قال فى علىّ وعثمان ما كان يقول، فقام حجر فصاح بالمغيرة صيحة سمعها كلّ من فى المسجد، وقال له:
«مر لنا أيّها الإنسان بأرزاقنا فقد حبستها عنا، وليس ذلك لك، وقد أصبحت مولعا بذم أمير المؤمنين». فقام أكثر من ثلثى الناس يقولون: صدق حجر وبرّ، مر لنا بأرزاقنا! فنزل المغيرة ودخل القصر، فجاءه أصحابه وقالوا: علام تترك هذا الرجل يجترئ عليك فى سلطانك؟ فقال لهم: «قد قتلته، سيأتى بعدى أمير يحسبه مثلى، فيصنع به ما ترونه، فيقتله، إنى قد قرب أجلى، ولا أحبّ أن أقتل خيار أهل هذه المصر فيسعد وأشقى، ويعز فى الدنيا معاوية ويشقى فى الآخرة المغيرة! » ثمّ توفّى المغيرة.
وولّى زياد، فقام فى الناس فخطبهم عند قدومه فترحّم على عثمان وأثنى على أصحابه، ولعن قاتليه، فقام حجر ففعل كما كان يفعل بالمغيرة.
ورجع زياد إلى البصرة، واستعمل على الكوفة عمرو بن حريث فبلغه أن حجرا يجتمع إليه شيعة علىّ رضى الله عنه، ويظهرون لعن معاوية والبراءة منه، وأنهم حصبوا عمرو بن حريث. فشخص إلى الكوفة، وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وحجر جالس، ثم قال: «أمّا بعد، فإنّ غبّ البغى والغىّ وخيم، إن هؤلاء جمّوا فأشروا، وأمنونى فاجترءوا على الله، لئن لم تستقيموا لأداوينكم بدوائكم، ولست بشىء إن لم أمنع الكوفة من حجر وأدعه نكالا لمن بعده! ويل امّك يا حجر، سقط العشاء بك على سرحان !» وأرسل إلى حجر يدعوه وهو فى ناحية المسجد، فأتاه الرسول يدعوه إليه، فقال أصحابه، لا يأتيه ولا كرامة! فرجع الرسول فأخبر زيادا، فأمر صاحب شرطته- وهو شدّاد بن الهيثم الهلالىّ- أن يبعث إليه جماعة، ففعل، فسبّهم أصحاب حجر فرجعوا فأخبروا زيادا.
فجمع أهل الكوفة وقال: «تشجّون بيد وتأسون بأخرى، أبدانكم معى وقلوبكم مع حجر الأحمق، هذا والله من دحسكم، والله لتظهرنّ لى براءتكم، أو لآتينكّم بقوم أقيم بهم أودكم وصعركم ».
فقالوا: معاذ الله أن يكون لنا رأى إلّا طاعتك وما فيه رضاك. قال:
فليقم كلّ رجل منكم فليدع من عند حجر من عشيرته وأهله.
ففعلوا ذلك، وأقاموا أكثر أصحابه عنه.
وقال زياد لصاحب شرطته: انطلق إلى حجر فإن تبعك فأتنى به، وإلّا فشدّوا عليهم بالسيوف حتى تأتونى به. فأتاه صاحب الشرطة يدعوه، فمنعه أصحابه من إجابتهم، فحمل عليهم، فقال أبو العمّرطة الكندى لحجر: «إنه ليس معك من معه سيف غيرى، وما يغنى عنك سيفى؟ قم فالحق بأهلك يمنعك قومك». وزياد ينظر إليهم وهو على المنبر، فغشيهم أصحاب زياد، وضرب رجل رأس عمرو ابن الحمق بعمود فوقع، وحمله أصحابه إلى الأزد فاختفى عندهم حتى خرج، وانحاز أصحاب حجر إلى أبواب كندة، وضرب بعض الشّرط يد عائد بن حملة التميمى وكسر نابه، فأخذ عمودا
من بعض الشّرط فقاتل به، وحمى حجرا وأصحابه حتى خرجوا من أبواب كندة، وأتى حجر ببغلته فقال له أبو العمرّطة: اركب فقد قتلتنا ونفسك. وحمله حتى أركبه، وركب أبو العمرطة فرسه، ولحقه يزيد بن ظريف المسلىّ فضرب أبا العمرطة بالعمود على فخذه، وأخذ أبو العمرطة سيفه فضرب به رأسه فسقط. فكان ذلك السيف أول سيف ضرب به فى الكوفة فى اختلاف بين الناس.
ومضى حجر وأبو العمرّطة إلى دار حجر، واجتمع إليهما ناس كثير، ولم يأته من كندة كثير أحد، ثم اختفى حجر، وتنقّل من مكان إلى آخر، والطلب خلفه، حتى أتى الأزد، واختفى عند ربيعة بن ناجد.
فلما أعياهم طلبه دعا زياد محمد بن الأشعث، وقال له: والله لتأتينّى به أو لأقطعنّ كل نخلة لك، وأهدم دورك، ثم أقطعك إربا إربا، فاستمهله، فأمهله ثلاثا، وأقام حجر ببيت ربيعة يوما وليلة، فأرسل إلى محمد بن الأشعث يقول له: ليأخذ له أمانا من زياد حتى يبعث به إلى معاوية، فجمع محمد جماعة، منهم جرير ابن عبد الله، وحجر بن زيد، وعبد الله بن الحارث أخو الأشتر، فدخلوا على زياد فاستأمنوا له أن يرسله إلى معاوية فأجابهم، فأرسلوا إلى حجر فحضر عند زياد، فلما رآه قال: «مرحبا أبا عبد الرحمن، حرب أيام الحرب، وحرب وقد سالم الناس! على أهلها تجنى براقش ». فقال حجر: «ما خلعت طاعة، ولا فارقت جماعة،
وإنى على بيعتى». فأمر به إلى السجن، فلما ولى قال زياد: والله لأحرّضنّ على قطع خيط رقبته.. وطلب أصحابه.
فخرج عمرو بن الحمق حتّى أتى الموصل ومعه رفاعة بن شدّاد، فاختيفا بجبل هناك، فرفع خبرهما إلى عامل الموصل، وهو عبد الرحمن ابن [عبد الله] عثمان الثقفى، ويعرف بابن أم الحكم وهو ابن أخت معاوية؛ فسار إليهما فخرجا إليه، وكان عمرو قد استسقى بطنه، فأمسك، وركب رفاعة فرسه وحمل على القوم، فأفرجوا له، فنجا، وكتب عامل الموصل إلى معاوية بخبر عمرو بن الحمق، فكتب إليه معاوية: «إنه يزعم أنه طعن عثمان تسع طعنات بمشاقص معه، فاطعنه كما طعن عثمان». فطعنه فمات فى الأولى منها أو الثانية.
وجدّ زيّاد فى طلب أصحاب حجر، فهربوا منه، وأخذ من قدر عليه منهم، فاجتمع له اثنا عشر رجلا فى السجن.
ثم دعا رؤساء الأرباع يومئذ، وهم عمرو بن حريث على ربع أهل المدينة، وخالد بن عرفطة على ربع تميم وهمدان، وقيس بن الوليد على ربع ربيعة وكندة، وأبو بردة بن أبى موسى على ربع مذحج وأسد، فشهد هؤلاء أن حجر بن عدى جمع الجموع، وأظهر شتم الخليفة، ودعا إلى حربه، وزعم أن هذا الأمر لا يصلح إلا فى آل أبى طالب،
وأنه وثب بالمصر وأخرج عامل أمير المؤمنين، وأظهر عذر أبى تراب والترحّم عليه والبراءة من عدوه وأهل حزبه، وشهدوا أن هؤلاء النفر الذين معه هم رؤوس أصحابه على مثل رأيه وأمره.
ونظر زياد فى شهادة الشهود فقال: إنى أحب أن يكونوا أكثر من أربعة، فدعا الناس ليشهدوا فشهد إسحاق وموسى ابنا طلحة ابن عبيد الله، والمنذر بن الزبير، وعمارة بن عقبة بن أبى معيط، وعمر بن سعد بن أبى وقّاص وغيرهم.
وكتب فى الشهود شريح بن الحارث القاضى وشريح بن هانىء، فكان شريح بن هانىء يقول: ما شهدت.
ثم دفع زياد حجر بن عدى الكندى وأصحابه (وهم الأرقم بن عبد الله الكندى، وشريك بن شدّاد الحضرمى، وصيفى بن فسيل الشيبانى، وقبيصة بن ضبيعة العبسى، وكريم بن عفيف الخثعمى وعاصم بن عوف البجلى، وورقاء بن سمى البجلى، وكدام بن حيّان، وعبد الرحمن بن حسان؛ العنزيان التميميان، ومحرز بن شهاب التميمى، وعبد الله بن حويّة السعدى التميمى) إلى وائل ابن حجر الحضرمى وكثير بن شهاب، وأمرهما أن يسيرا بهم إلى الشام، فلحقهم شريح بن هانئ بعد مسيرهم، وأعطى وائلا كتابا وقال: أبلغه أمير المؤمنين.
فساروا حتّى انتهوا إلى مرج عذراء بالقرب من دمشق، وأتبعهم زياد برجلين وهما عتبة بن الأخنس من سعد بن بكر، وسعد بن نمران الهمدانى، فكملوا أربعة عشر رجلا، فلما انتهوا إلى مرج عذراء بعث معاوية إلى وائل بن حجر، وكثير بن شهاب فأدخلهما، وأخذ كتابهما فقرأه، ثم قرأ كتاب شريح فإذا فيه: «بلغنى أن زيادا كتب شهادتى، وإن شهادتى على حجر أنه ممن يقيم الصلاة ويؤتى الزكاة ويديم الحج والعمرة، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، حرام الدم والمال، فإن شئت فاقتله، وإن شئت فدعه».
فقال معاوية: ما أرى هذا إلا قد أخرج نفسه من شهادتكم.
فقام يزيد بن أسد البجلى فاستوهبه ابنى عمه وهما عاصم وورقاء، وكان جرير بن عبد الله البجلى قد كتب بتزكيتهما وبراءتهما فأطلقهما معاوية، وشفع وائل بن حجر فى الأرقم فتركه له، وشفع ابن الأعور السّلمى فى عتبة فتركه له، وشفع حمرة بن مالك الهمدانى فى سعد بن تمران فوهبه له، وشفع حبيب بن مسلمة فى عبد الله بن حوية فتركه له، وقام مالك بن هبيرة السّكونى، فقال:
دع لى ابن عمى حجرا، فقال: «هو رأس القوم، وأخاف إن خلّيت
سبيله أن يفسد علىّ مصره، فأحتاج أن أشخصك إليه بالعراق!» فقال: «والله ما أنصفتنى يا معاوية! قاتلت معك ابن عمك يوم صفّين حتّى ظفرت وعلا كعبك، ولم تخف الدوائر، ثم سألتك ابن عمى فمنعتنى إياه». ثم انصرف فجلس فى بيته.
فبعث معاوية هدبة بن فياض القضاعى، والحصين بن عبد الله الكلابى وأبا شريف البدّى إلى حجر وأصحابه؛ ليقتلوا من أمروا بقتله، فأتوهم عند المساء، فلما رأى الخثعمى أحدهم أعور قال: يقتل نصفنا ويترك نصفنا! فكان كذلك، وعرضوا عليهم قبل القتل البراءة من علىّ ولعنه ويتركوهم، فامتنعوا من ذلك، فحفرت القبور وأحضرت الأكفان.
فقام حجر بن عدىّ وأصحابه يصلّون عامّة الليل، فلما كان من الغد قدّموا للقتل، فقال لهم حجر: اتركونى حتى أتوضأ وأصلى فإنى ما توضأت إلّا صلّيت. فتركوه، فصلّى ثم انصرف، وقال:
والله ما صلّيت صلاة قطّ أخفّ منها، ولولا أن تظنوا بى جزعا من الموت لاستكثرت منها. ثم قال: «اللهم إنا نستعديك على أمتنا، فإن أهل الكوفة شهدوا علينا، وإن أهل الشام يقتلوننا، أما والله لئن قتلتمونى بها إنّى لأول فارس من المسلمين هلك فى واديها، وأول رجل من المسلمين نبحته كلابها». ثم مشى إليه هدبة بن فياض بالسيف، فارتعد، فقالوا له: زعمت أنك لا تجزع من الموت فابرأ
من صاحبك وندعك. فقال: «ومالى لا أجزع وأرى قبرا محفورا وكفنا منشورا وسيفا مشهورا. وإنى والله إن جزعت من القتل لا أقول ما يسخط الرب». فقتلوه وقتلوا خمسة.
فقال عبد الرحمن بن حسان- وكريم الخثعمى: ابعثوا بنا إلى أمير المؤمنين فنحن نقول فى هذا الرجل مثل مقالته. فاستأذنوا معاوية فيهما، فأذن بإحضارهما، فلما دخلوا عليه قال كريم: «الله الله يا معاوية! فإنك منقول من هذه الدار الزائلة إلى الدار الآخرة الدائمة، ثم مسئول عما أردت بسفك دمائنا. فقال: ما تقول فى علىّ؟ قال: أقول فيه قولك. قال: أتبرأ من دينه الذى يدين الله به؟ فسكت، وقام شمر ابن عبد الله من بنى قحافه بن خثعم، فاستوهبه إيّاه، فوهبه له على ألّا يدخل الكوفة.
ثم قال لعبد الرحمن: ما تقول فى علىّ يا أخا ربيعة؟ قال: دعنى لا تسألنى فهو خير لك. قال: والله لا أدعك. قال: «أشهد أنه كان من الذاكرين الله كثيرا، من الآمرين بالحق والقائمين بالقسط والعافين عن الناس رضى الله عنه». قال: فما تقول فى عثمان؟
قال: هو أول من فتح أبواب الظلم، وغلّق أبواب الحق. قال: قتلت نفسك. قال: بل إياك قتلت ولا ربيعة بالوادى. (يعنى ليشفعوا فيه) فردّه إلى زياد وأمره أن يقتله شرّ قتلة، فدفنه حيا.
وكان عدة من قتل سبعة وهم: حجر بن عدى، وشريك بن
شدّاد، وصيفى بن فسيل، وقبيصة بن ضبيعة، ومحرز بن شهاب، وكدام بن حيان، وعبد الرحمن بن حسّان الذى دفن حيا.
قال: وأما مالك بن هبيرة السّكونى حين لم يشفّعه معاوية فى حجر، فإنه جمع قومه وسار بهم إلى عذراء ليخلّص حجرا وأصحابه، فلقيه قتلتهم، فلما رأوه علموا أنه جاء ليخلّص حجرا، فقال لهم: ما وراءكم؟
قالوا: قد تاب القوم وجئنا لنخبر أمير المؤمنين. فسكت وسار إلى عذراء فلقيه بعض من جاء منها فأخبره بقتل القوم، فأرسل الخيل فى قتلتهم فلم يدركوهم. ودخلوا على معاوية فأخبروه، فقال لهم: إنما هى حرارة يجدها فى نفسه، فكأنها قد طفئت. وعاد مالك.
إلى بيته ولم يأت معاوية، فلما كان الليل أرسل إليه معاوية بمائة ألف درهم، وقال: «ما منعنى أن أشفّعك إلّا خوف أن تعيدوا لنا حربا، فيكون فى ذلك من البلاء على المسلمين ما هو أعظم من قتل حجر».
فأخذها وطابت نفسه.
قال: ولما بلغ الحسن البصرىّ قتل حجر وأصحابه قال: أصلوا عليهم وكفنوهم ودفنوهم واستقبلوا بهم القبلة؟ قالوا: نعم. قال:
حجوهم وربّ الكعبة!».
قال: ولمّا بلغ خبر حجر عائشة رضى الله عنها، أرسلت عبد الرحمن ابن الحارث إلى معاوية فيه وفى أصحابه، فقدم عليه وقد قتلهم، فقال له عبد الرحمن: أين غاب عنك حلم أبى سفيان؟ قال: «حين غاب عنّى مثلك من حلماء قومى، وحمّلنى ابن سميّة فاحتملت!».
وقالت عائشة: «لولا أنّا لم نغيّر شيئا إلا صارت بنا الأمور إلى ما هو أشدّ منه لغيّرنا قتل حجر! أما والله إن كان ما علمت لمسلما حجّاجا معتمرا!».
وقال الحسن البصرى ﵀: «أربع خصال كنّ فى معاوية، لو لم تكن فيه إلّا واحدة منهن لكانت موبقة: انتزاؤه على هذه الأمّة بالسيف، حتى أخذ الأمر عن غير مشورة، وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة، واستخلافه ابنه بعده سكّيرا خمّيرا يلبس الحرير ويضرب بالطّنابير، وادّعاؤه زيادا،
وقد قال رسول الله ﷺ: الولد للفراش وللعاهر الحجر
. وقتله حجرا وأصحاب حجر، فيا ويلا له من حجر وأصحاب حجر!».
قيل: وكان الناس يقولون: أول ذلّ دخل الكوفة موت الحسن ابن على، وقتل حجر بن عدىّ، ودعوة زياد.
وقالت هند بنت زيد الأنصارية ترثى حجرا وكانت تتشيع.
ترفّع أيّها القمر المنيرتبصّر هل ترى حجرا يسير
يسير إلى معاوية بن حربليقتله كما زعم الأمير
تجبّرت الجبابر بعد حجروطاب لها الخورنق والسّدير
وأصبحت البلاد له محولاكأن لم يحيها مزن مطير
ألا يا حجر حجر بنى عدىّتلقّتك السلامة والسرور
أخاف عليك ما أردى عديّاوشيخا فى دمشق له زئير
فإن يهلك فكل زعيم قوممن الدنيا إلى هلك يصير
وقد قيل فى قتل حجر غير ما تقدم، وهو أن زيادا خطب يوم جمعة فأطال الخطبة وأخّر الصلاة، فقال له حجر بن عدى: الصلاة.
فمضى فى خطبته فقال له: الصلاة. فمضى فى خطبته، فلما خشى حجر فوت الصلاة ضرب بيده إلى كفّ من حصى، وقال إلى الصلاة وقام الناس معه، فلما رأى زياد ذلك نزل فصلّى بالناس، وكتب إلى معاوية وكبر عليه، فكتب إليه معاوية ليشدّه فى الحديد ويرسله إليه، فلمّا أراد أخذه قام قومه ليمنعوه، فقال حجر: لا ولكن سمعا وطاعة. فشدّ فى الحديد، وحمل إلى معاوية، فلما دخل عليه قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال معاوية: «أأمير المؤمنين أنا؟ والله لأقتلنّك ولا أستقيلك! أخرجوه فاضربوا عنقه!».
فقال حجر للذين يلون أمره: دعونى حتى أصلى ركعتين. فقالوا:
فصلّى ركعتين خفّف فيهما ثم قال: لولا أن تظنوا بى غير الذى أردت لأطلتهما، وقال لمن حضره من قومه: لا تطلقوا عنى حديدا ولا تغسلوا عنى دما، فإنى ملاق معاوية غدا على الجادّة !». وضربت عنقه..
قال فلقيت عائشة معاوية فقالت: أين كان حلمك عن حجر؟
فقال: لم يحضرنى رشد! وقال ابن سيرين: بلغنا أنّ معاوية لما حضرته الوفاة جعل يقول: يومى منك يا حجر طويل!.
وحج بالناس فى هذه السنه يزيد بن معاوية
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع