من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر من وفد الى معاوية من أهل الأمصار فى شأن البيعة. وما تكلم به بعضهم وبيعة أهل العراق والشام ليزيد
قال: وكان معاوية قد كتب إلى عمّاله بتقريظ يزيد ووصفه، وأن يوفدوا إليه الوفود من الأمصار، فكان فيمن أتاه محمد بن عمرو بن حزم من المدينة، والأحنف بن قيس فى وفد أهل البصرة، فقال محمد بن عمرو لمعاوية: إن كل راع مسئول عن رعيته فانظر من تولّى أمر أمة محمد ﷺ، فأخذ معاوية يهتز حتى جعل يتنفّس فى يوم شات، ثم وصله وصرفه.
وأمر معاوية الأحنف بن قيس أن يدخل على يزيد فدخل عليه، فلما خرج من عنده قال له: كيف رأيت ابن أخيك؟ قال: رأيت شبابا ونشاطا وجلدا ومزاحا.
ثم إن معاوية قال للضحاك بن قيس الفهرى لما اجتمع الوفود عنده: إنى متكلم فإذا سكتّ فكن أنت الذى تدعو إلى بيعة يزيد وتحثنى عليها، فلما جلس معاوية للناس تكلمّ فعظّم أمر الإسلام وحرمة الخلافة وحقها، وما أمر الله تعالى به من طاعة ولاة الأمر، ثم ذكر يزيد وفضله وعلمه بالسياسة، وعرض ببيعته.
فعارضه الضحاك، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «يا أمير
المؤمنين، إنه لا بد للناس من وال بعدك وقد بلونا الجماعة والألفة فوجدناهما أحقن للدماء، وأصلح للدهماء، وآمن للسبيل، وخيرا فى العافية، والأيام عوج رواجع، والله كل يوم فى شأن، ويزيد بن أمير المؤمنين فى حسن هديه وقصد سيرته على ما علمت، وهو من أفضلنا علما وحلما، وأبعدنا رأيا، فولّه عهدك، واجعله لنا علما بعدك، ومفزعا نلجأ إليه ونسكن إلى ظله» .. وتكلم عمرو بن سعيد الأشدق بنحو من ذلك.
ثم قام يزيد بن المقنّع العذرىّ فقال: هذا أمير المؤمنين (وأشار إلى معاوية) فإن هلك فهذا (وأشار إلى يزيد) ومن أبى فهذا (وأشار إلى سيفه) فقال معاوية: اجلس فأنت سيّد الخطباء.
وتكلم من حضر من الوفود، فقال معاوية للأحنف: ما تقول يا أبا بحر؟ فقال: «نخافكم إن صدقنا، ونخاف الله إن كذّبنا، وأنت يا أمير المؤمنين أعلم بيزيد فى ليله ونهاره، وسرّه وعلانيته ومدخله ومخرجه، فإن كنت تعلمه لله تعالى ولهذه الأمة رضى فلا تشاور فيه، وإن كنت تعلم منه غير ذلك فلا تزوّده الدنيا، وأنت صائر إلى الآخرة، وإنما علينا أن نقول: سمعنا وأطعنا» .. وقام رجل
من أهل الشام فقال: «ما ندرى ما تقول هذه المعدّيّة العراقية، وإنما عندنا سمع وطاعة وضرب وازدلاف.
فافترق الناس يحكون قول الأحنف.
قال: وكان معاوية يعطى المقارب، ويدارى المباعد ويلطف به، حتى استوثق له أكثر الناس، وبايعوه، فلما بايعه أهل العراق والشام سار إلى الحجاز.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع