من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
سنة ستين ذكر وفاة معاوية بن أبى سفيان وما أوصى به عند وفاته
كانت وفاته بدمشق فى شهر رجب من هذه السّنة، قيل: فى مستهلّه، وقيل: فى النصف منه، وقيل: لأربع بقين منه، وقيل:
فى يوم الخميس لثمان بقين من شهر رجب سنة تسع وخمسين قال: وكان معاوية قد خطب الناس قبل موته فقال: «إنى
لزرع مستحصد وقد طالت إمرتى عليكم حتى مللتكم ومللتمونى، وتمنيت فراقكم وتمنيتم فراقى، لن يأتيكم بعدى إلا من أنا خير منه، كما أن من كان قبلى كان خيرا منى، وقد قيل:
من أحب لقاء الله أحب لله لقاءه، اللهم إنى أحببت لقاءك فأحبب لقائى وبارك لى فيه». فلم يمض غير قليل حتى ابتدأ به مرضه الذى مات فيه.
قال ولمّا مرض دعا ابنه يزيد وقال: «يا بنى إنى قد كفيتك الشّدّ والتّرحال، ووطّأت لك الأمور، وذللت الأعداء، وأخضعت؛ لك رقاب العرب، وجمعت لك ما لم يجمعه أحد، فانظر أهل الحجاز فإنهم أصلك، فأكرم من قدم عليك منهم، وتعاهد من غاب وانظر أهل العراق، فإن سألوك أن تعزل عنهم كلّ يوم عاملا فافعل، فإنّ عزل عامل أيسر من أن يشهر عليك مائة ألف سيف، وانظر أهل الشام، فليكونوا بطانتك وعيبتك، فإن رابك من عدوّك شىء فانتصر بهم، فإذا أصبتهم فاردد أهل الشام إلى بلادهم، فإنهم إن أقاموا بغيرها تغيرت أخلاقهم، وإنى لست أخاف عليك أن ينازعك هذا الأمر إلّا أربعة نفر من قريش: الحسين بن على وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزّبير وعبد الرحمن بن أبى بكر، فأمّا ابن عمر فرجل قد
وقذته العبادة، فإذا لم يبق أحد غيره بايعك، وأمّا الحسين فإنه رجل خفيف، ولن يتركه أهل العراق حتى يخرجوه، فإن خرج فظفرت به فاصفح عنه، فإن له رحما ماسة وحقا عظيما وقرابة من محمد ﷺ، وأمّا ابن أبى بكر فإن رأى أصحابه صنعوا شيئا صنع مثله ليست له همّة إلّا فى النساء واللهو، وأما الذى يجثم لك جثوم الأسد، ويرواغك مراوغة الثعلب، فإن أمكنته فرصة وثب، فذاك ابن الزبير، فإن هو فعلها بك فظفرت به فقطّعه إربا إربا، واحقن دماء قومك ما استطعت» .. هكذا فى هذه الرواية ذكر عبد الرحمن بن أبى بكر، والصحيح أنه مات قبل معاوية.
وقيل إن يزيد كان غائبا فى مرض أبيه وموته، وأن معاوية أحضر الضحاك بن قيس ومسلم بن عقبة المرّىّ وأمرهما أن يؤديّا عنه هذه الرسالة إلى يزيد ابنه. وصححه ابن الأثير.
قيل: ولما اشتدّت علّته وأرحف به قال لأهله؛: احشوا عينى إثمدا وادهنوا رأسى، ففعلوا وبرّقوا وجهه، ثم مهّد له مجلس
وأذن للناس، فدخلوا وسلموا قياما ولم يجلس أحد، فلما خرجوا تمثل بقول الأول وهو الهذلى:
وتجلّدى للشّامتين أريهموأنّى لريب الدهو لا أتضعضع
وإذا المنيّة أنشبت أظفارهاألفيت كلّ تميمة لا تنفع
ومات فى يومه.
وكان يتمثّل- وقد احتضر -:
فهل من خالد إمّا هلكنا؟وهل بالموت يا للنّاس عار؟
وروى محمد بن عبد الله بن الحكم قال: سمعت الشافعىّ رضى الله عنه يقول: لمّا ثقل معاوية كان يزيد غائبا، فكتب إليه بحاله فلمّا أتاه الرسول أنشأ يقول:
جاء البريد بقرطاس يخبّ بهفأوجس القلب من قرطاسه فزعا
قلنا: لك الويل! ماذا فى صحيفتكمقال: الخليفة أمسى مثبتا وجعا
فمادت الأرض أو كادت تميد بناكأنّ ثهلان من أركانه انقلعا
أودى ابن هند وأودى المجد يتبعهكانا جميعا وظلّا يسريان معا
لا يرفع الناس ما أوهى وإن جهدواأن يرفعوه، ولا يوهون ما رفعا
أغرّ أبلج يستسقى الغمام بهلو قارع الناس عن أحلامهم قرعا
والبيتان الأخيران للأعشى.
قال: فلمّا وصل إليه وجده مغمورا فأنشأ يقول:
لو عاش حىّ إذا لعاش إمام الناس لا عاجز ولا وكل
الحوّل القلّب الأريب ولنيدفع ريب المنيّة الحيل
قال فأفاق معاوية وقال: يا بنى إنّى صحبت رسول الله ﷺ فخرج لحاجته، فاتبعته بإداوة، فكسانى أحد ثوبيه الذى يلى جلده، فخبّأته لهذا اليوم، وأخذ رسول الله ﵊ من أظافره وشعره ذات يوم، فأخذته وخبّأته لهذا اليوم، فإذا أنا متّ فاجعل ذلك القميص دون كفنى ممّا يلى جلدى، وخذ ذلك الشعر والأظافر فاجعله فى فمى وعلى عينى ومواضع السجود منى، فإن نفع شى فذاك، وإلّا فإن الله غفور رحيم.
وهذه الرواية تدل على أن يزيد أدركه قبل وفاته، وقد قيل: إنه أوصى بها غير يزيد والله أعلم.
قال ابن الأثير: وتمثل معاوية عند موته بشعر الأشهب بن زميلة النّهشلى:
إذا متّ مات الجود وانقطع النّدىمن الناس إلّا من قليل مصرّد
وردّت أكفّ السائلين وأمسكوامن الدّين والدنيا بخلف مجدّد
فقالت إحدى بناته: كلّا يا أمير المؤمنين بل يدفع الله عنك.
فقال متمثّلا:
وإذا المنيّة أنشبت أظفارها......
(البيت) وقال لأهله:
اتّقوا الله فإنه لا واقى لمن لا يتّقى الله! ثمّ قضى وأوصى أن يردّ نصف ماله إلى بيت المال.
وأنشد لما حضرته الوفاة:.
إن تناقش يكن نقاشك يا ربّب عذابا، ولا طوق لى بالعذاب
أو تجاوز فأنت رب صفوحعن مسيىء ذنوبه كالتراب
قال: ولمّا مات خرج الضحّاك بن قيس حتّى صعد المنبر، وأكفان معاوية على يديه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «إنّ معاوية كان
عود العرب، وحدّ العرب، وجدّ العرب، قطع الله به الفتنة، وملّكه على العباد، وفتح به البلاد، ألا إنه قد مات، وهذه أكفانه ونحن مدرجوه فيها، ومدخلوه قبره، ومخلّون بينه وبين عمله، ثمّ هو البرزخ إلى يوم القيامة! فمن كان يريد أن يشهده فعند الأولى» .. قال: وصلى عليه الضحاك لغيبة يزيد، وكان بحوّارين فقدم بعد دفنه فصلّى على قبره.
وكان ملكه تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر وأيّاما تقريبا منذ خلص له الأمر.
وكان عمره خمسا وسبعين سنة، وقيل: ثلاث وسبعين، وقيل: ثمان وسبعين، وقيل توفى وهو ابن خمس وثمانين سنة.
وكان أوّل من اتخذ الخدام الملازمة فى الإسلام. وأوّل من علّق الستور واتخذ الحرس وأرباب الشّرط. واستخدم الحجاب وركب الهماليج، وقيدت بين يديه الجنائب ولبس الخزّ والوشى الخفيف، وعمل الطّراز بمصر واليمن والرّها والإسكندرية.
وأوّل من قتل مسلما صبرا، قتل حجر بن عدىّ وأصحابه كما تقدم.
وهو أول من اقتنى الضّياع، وأحدث فى أيامه ديوان الخاتم، وكان سبب ذلك أنه أمر لعمرو بن الزّبير بمائة ألف درهم، وكتب له بها على زياد، فصيرّ عمرو المائة مائتين، فلما [رفع] حساب زياد أنكرها معاوية، وأخذ عمرا بردّها، فوفّاها عنه أخوه عبد الله. ثم أمر معاوية بختم الكتب وحزمها.
وزاد فى منبر رسول الله ﷺ، فجعله ثمانى درجات، وأول من جعل درجات المنبر خمس عشرة مرقاة، واتخذ المقصورة فى المسجد.
وأول خليفة بايع لابنه، وأول من وضع البريد، وأول من سمى الغالية التى يطيّب بها «غالية».
وكان يقول: أنا أول الملوك.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع