تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

سنة اثنين وستين ذكر وفد أهل المدينة إلى يزيد بن معاوية وخلعهم له عند عودهم

وفى هذه السنة وفد جماعة من أهل المدينة إلى يزيد بن معاوية بالشام، فيهم عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة وعبد الله بن أبى عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومى، والمنذر بن الزبير، ورجال كثير من أشراف أهل المدينة.

وكان ابن الزبير قد كتب إلى يزيد لمّا استعمل الوليد ابن عتبة على الحجاز يقول: «إنك بعثت إلينا رجلا أخرق، لا بتّجه لرشد، ولا يرعوى لعظة الحكيم، فلو بعثت رجلا سهل الخلق

رجوت أن يسهل من الأمور ما استوعر منها، وأن يجتمع ما تفرّق» فعزل يزيد الوليد، واستعمل عثمان بن محمد بن أبى سفيان، وهو فتى غرّ حدث لم تحنّكه التجارب، ولا يكاد ينظر فى شىء من سلطانه ولا عمله.

فوفد هذا الوفد إلى يزيد، فقدموا عليه، فأكرمهم وأحسن إليهم وأعظم جوائزهم، فأعطى عبد الله بن حنظلة مائة ألف درهم، وكان معه ثمانية بنين فأعطى كل واحد منهم عشرة آلاف، وأجاز المنذر بن الزبير بمائة ألف كتب له بها على عبيد الله بن زياد فتوجه إلى العراق فقبضها.

ورجع الوفد إلى المدينة إلّا المنذر، فلمّا قدموا المدينة قاموا فى الناس فأظهروا شتم يزيد وعيبه، وقالوا: «قدمنا من عند رجل ليس له دين، يشرب الخمر، ويعزف بالطّنابير، وتعزف عنده القيان، ويلعب بالكلاب، ويسمر عنده الحزّاب (وهم اللصوص) وإنا نشهدكم أنّا قد خلعناه».

وقام عبد الله بن حنظلة فقال: «جئتكم من عند رجل لو لم أجد إلّا بنىّ هؤلاء لجاهدته، وقد أعطانى وأكرمنى، وما قبلت منه عطاءه إلّا لأتقوّى به».

فخلعه الناس، وبايعوا عبد الله بن حنظلة على خلعه، وولّوه عليهم.

ثم قدم المنذر من العراق إلى المدينة، فحرّض الناس على يزيد،

وقال: «إنه أجازنى بمائة ألف، ولا يمنعنى ما صنع بى أن أخبركم خبره، والله إنه ليشرب الخمر، وإنه ليسكر حتّى يدع الصلاة!» وعابه بمثل ما عابه به أصحابه وأشدّ.

فبعث يزيد النعمان بن بشير الأنصارى وقال له: «إن عدد الناس بالمدينة قومك، فأتهم فالفتهم عمّا يريدون، فإنهم إن لم ينهضوا فى هذا الأمر لم يجترىء الناس على خلافى». فأتى النعمان قومه، وأمرهم بلزوم الطاعة، وخوّفهم الفتنة، فعصوه ولم يرجعوا إلى قوله، فرجع. وبسبب هذه الواقعة كانت وقعة الحرّة.

وفى هذه السنة كان من الحوادث فى بلاد المغرب ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخبار أفريقية.

وحج بالناس فى هذه السنة الوليد بن عتبة.

وفيها ولد محمد بن عبد الله بن عباس والد السفاح والمنصور.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.