من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
وفى سنة [١١٢ هـ] ثنتى عشرة ومائة قتل الجرّاح بن عبد الله الحكمى
وسبب ذلك أنه لما هزم الخزر اجتمعوا هم والتّرك من ناحية اللّان، فلقيهم الجرّاح فيمن معه من أهل الشام، فاقتتلوا أشدّ قتال رآه الناس، وتكاثر الخزر والتّرك على المسلمين، فاستشهد الجرّاح ومن معه بمرج أردبيل، فلما قتل طمع الخزر وأوغلوا فى البلاد حتى قاربوا الموصل، وعظم الخطب على المسلمين.
فبلغ الخبر هشام بن عبد الملك، فاستشار سعيدا الحرشى،
فقال: أرى أن تبعثنى على أربعين دابّة من دوابّ البريد، ثم تبعث إلىّ كل يوم بأربعين [رجلا]، واكتب إلى أمراء الأجناد أن يوافونى. ففعل ذلك، وسار الحرشىّ وهو لا يمرّ بمدينة إلّا استنهض أهلها، فيجيبه من يريد الجهاد.
ولم يزل كذلك حتى وصل إلى مدينة أرزن، فلقيه جماعة من أصحاب الجرّاح، فردّهم معه، وسار فبلغ خلاط، فحاصرها أياما وفتحها، وقسّم غنائمها فى أصحابه، ثم سار عنها وفتح الحصون والقلاع شيئا بعد شىء حتى أتى بردعة، وكان ابن خاقان يومئذ بأذربيجان يغير وينهب ويسبى ويقتل، وهو يحاصر مدينة ورثان، فأرسل الحرشىّ رجلا من أصحابه إلى أهلها يعرّفهم وصوله، ويأمرهم بالصبر، فسار ولقيه بعض الخزر، فأخذوه وسألوه عن الخبر، فأخبرهم وصدقهم، فقالوا له: إن فعلت ما نأمرك به أحسنّا إليك، وأطلقناك، وإلا قتلناك. قال: فما الذى تريدون؟ قالوا: تقول لأهل ورثان: إنكم ليس لكم مدد، ولا من يكشف ما بكم، وتأمرهم بتسليم البلد إلينا. فأجابهم إلى ذلك.
فلما قارب المدينة وقف بحيث يسمع أهلها كلامه، فقال لهم:
أتعرفونى؟ قالوا: نعم، أنت فلان. قال: فإنّ الحرشى قد وصل إلى مكان كذا فى عساكر كثيرة، وهو يأمركم بحفظ البلد، والصّبر، ففى هذين اليومين يصل إليكم.
فرفعوا أصواتهم بالتهليل والتكبير، وقتلت الخزر ذلك الرجل، ورحلوا عن مدينة ورثان، ووصلها الحرشى، وقد ارتحل الخزر إلى أردبيل، فسبقهم إليها، فساروا عنها، ونزل سعيد باجروان، فأتاه فارس على فرس أبيض، فقال له: أيها الأمير، هل لك فى الجهاد والغنيمة؟ قال: وكيف لى بذلك؟ قال: هذا عسكر الخزر فى عشرة آلاف، ومعهم خمسة آلاف بنت من المسلمين أسارى وسبايا، وهم على أربعة فراسخ.
فسار الحرشىّ إليهم ليلا، فوافاهم آخر الليل، وهم نيام، فكبسهم مع الفجر، ووضع المسلمون فيهم السيف، فما بزغت الشمس حتى قتلوا عن آخرهم غير رجل واحد.
ثم أتاه ذلك الفارس الذى أتاه أولا وقال له: هذا جيش الخزر ومعهم أموال المسلمين وأولادهم، وحرم الجرّاح وأولاده، وهم بمكان كذا؛ فسار الحرشى إليهم، فما شعروا إلّا والمسلمون معهم، فوضعوا فيهم السيف فقتلوهم كيف شاءوا، ولم يفلت من الخزر إلا الشريد، واستنقذوا من معهم، وغنموا أموال الخزر، وحمل الأسارى إلى باجروان.
وبلغ الخبر ابن ملك الخزر، فجمع أصحابه من نواحى أذربيجان، فاجتمع له عساكر كثيرة، فحرّضهم، وسار نحو الحرشىّ، وسار الحرشىّ إليه، فالتقيا بزرند، واقتتلوا أشدّ قتال، فانحاز المسلمون يسيرا ثم عادوا إلى القتال، فاشتدّت نكايتهم فى العدوّ، فهزموهم، وتبعهم المسلمون حتى بلغوا بهم نهر أوس، وعادوا عنهم وحووا ما فى عسكرهم من الأموال والغنائم، وأطلقوا الأسارى والسّبايا، وحملوا الجميع إلى باجروان، ثم جمع ابن ملك الخزر من لحق به من عساكره، وعاد بهم نحو الحرشى، فنزل على نهر البيلقان، فسار الحرشى نحوه؛ فوافاهم هناك، والتقوا، فكانت الهزيمة على الخزر، فكان من غرق منهم أكثر ممن قتل، وجمع الحرشى الغنائم، وعاد إلى باجروان وكتب إلى هشام بالفتح، وأرسل إليه الخمس. فكتب إليه هشام يشكره، ويثنى عليه، ويأمره بالمسير إليه، واستعمل هشام أخاه مسلمة على أرمينية وأذربيجان، فوصل إلى البلاد، وسار إلى الترك حتى جاز البلاد [فى آثارهم].
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع