من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر إظهار الدعوة بخراسان
كتب إبراهيم الإمام إلى أبى مسلم يستدعيه، فسار فى النصف من جمادى الآخرة مع سبعين من النقباء، فلما وصل إلى قومس أتاه كتاب إبراهيم، يقول: إنى قد بعثت إليك براية النصر، فارجع من حيث لقيك كتابى، ووجّه إلىّ قحطبة بما معك يوافينى به فى الموسم، وكتابا إلى سليمان بن كثير، فانصرف أبو مسلم إلى خراسان، ووجّه قحطبة إلى إبراهيم بما معه من الأموال والعروض، وقدم أبو مسلم إلى مرو ودفع كتاب الإمام إلى سليمان بن كثير، يأمره بإظهار الدعوة، فنصبوا أبا مسلم وقالوا رجل من أهل البيت، ودعوا إلى طاعة بنى العباس، وأرسلوا إلى من قرب منهم وبعد ممن أجابهم بإظهار الدعوة، ونزل أبو مسلم قرية من قرى مرو يقال لها فنين، على أبى الحكم عيسى بن أعين النقيب، ووجّه منها أبا داود النقيب ومعه عمرو بن أعين إلى طخار ستان فما دون بلخ، وأمرهما بإظهار الدعوة فى شهر رمضان، وكان نزوله القرية فى شعبان، وبث الدعاة إلى مرو الرّوذ والطّالقان وخوارزم، وأمرهم بإظهار الدعوة فى شهر رمضان لخمس بقين منه، وقال لهم فإن أعجلكم عدوكم دون الوقت بالأذى والمكروه فقد حلّ لكم أن تدفعوا عن أنفسكم،
وتجردوا السيوف وتجاهدوا أعداء الله، ومن شغله منكم عدوه عن الوقت فلا حرج عليه أن يظهر بعده، ثم تحرك أبو مسلم فنزل فى قرية سفيذنج على كثير بن سليمان الخزاعى لليلتين خلتا من شهر رمضان، والكرمانى وشيبان يقاتلان نصر بن سيّار، فبث أبو مسلم دعاته فى الناس وأظهر أمره، فأتاه فى ليلة واحدة نحو ستين قرية، فلما كان ليلة الخميس لخمس بقين من شهر رمضان عقد اللواء، الذى بعث به الإمام إليه ويدعى الظل، على رمح طوله أربعة عشر ذراعا، وهو يتلو أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ
، ولبسوا السواد هو وأخوه سليمان بن كثير ومواليه، ومن كان أجاب الدعوة من أهل سفيذنج، وأوقدوا النيران ليلتهم لشيعتهم فكانت علامتهم، فتجمعوا إليه حين أصبحوا معدين، وقدم عليه الدعاة الذين بثهم فى الدعوة بمن أجابهم، وذلك بعد ظهوره بيومين، فلما وافى عيد الفطر أمر أبو مسلم سليمان بن كثير أن يصلى به وبالشيعة، ونصب له منبرا فى العسكر، وأمره أن يبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة، وكان بنو أمية يبدءون بالخطبة قبل الصلاة بأذان وإقامة، وأمره أيضا أن يكبّر ست تكبيرات تباعا، ثم يقرأ ويركع بالسابعة، ويكبر فى الركعة الثانية خمس تكبيرات تباعا ثم يقرأ ويركع بالسادسة، ويفتح الخطبة بالتكبير ويختمها بالقرآن، وكان بنو أمية يكبّرون فى الأولى أربع تكبيرات وفى الثانية ثلاثا، فلما قضى سليمان الصلاة انصرف أبو مسلم والشيعة، إلى طعام قد أعدّه لهم فأكلوا مستبشرين. وكتب أبو مسلم إلى نصر بن سيار وبدأ
بنفسه، وكتب إلى نصر ولم يقل إلى الأمير: أما بعد فإن الله تباركت أسماؤه عيّر أقواما فى القرآن فقال: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً، اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا
، فتعاظم نصر الكتاب وكسر له إحدى عينيه، وقال: هذا كتاب له أخوات ثم كان من خبر الكرمانى ومقتله ما قدمناه فى أيام مروان، فلما قتل انضم ابنه علىّ إلى أبى مسلم فى جموع كثيرة، فاستصحبه معه وقاتلوا نصر بن سيّار حتى أخرجوه من دار الإمارة، وأقبل أبو مسلم إلى مرو وأتاه على بن الكرمانى وسلّم عليه بالإمارة.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع