من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر ولاية منصور بن المهدى بغداد
فى هذه السنة أراد أهل بغداد أن يبايعوا المنصور بن المهدى بالخلافة، فامتنع من ذلك فأرادوه على الإمرة عليهم، على أن يدعو للمأمون بالخلافة فأجابهم إلى ذلك، وكان سبب ذلك أن أهل بغداد- لما أخرجوا على بن هشام من بغداد واتصل حين إخراجه بالحسن سهل سار من المدائن إلى واسط، وذلك فى أول هذه السنة، فاتبعه محمد بن أبى خالد مخالفا له، وقد تولى القيام بأمر الناس، وولى سعيد بن الحسن بن قحطبة بالجانب الغربى ونصر بن حمزة بن مالك بالجانب الشرقى، وكان ببغداد منصور بن المهدى والفضل بن الربيع وخزيمة بن خازم، وكان الفضل بن الربيع مختفيا كما تقدم إلى الآن، فلما رأى محمدا قد بلغ واسط طلب منه الأمان فأمّنه، وظهر الفضل وسار محمد بن أبى خالد إلى الحسن على تعبئة، وقد تحوّل الحسن عن واسط، فوجّه إليه الحسن بن سهل قواده وجنده، فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزم أصحاب محمد بعد العصر، وثبت هو حتى جرح جراحات شديدة، وانهزموا هزيمة قبيحة وقتل منهم كثير، وذلك لسبع بقين من شهر ربيع الأول، ثم أتاه الحسن بن سهل واقتتلوا، حتى جنّهم الليل فرحل محمد وأصحابه ثم التقوا واقتتلوا مرة ثانية إلى الليل، فاشتدت جراحات محمد فحمله ابنه أبو
زنبيل إلى بغداد، وخلف عسكره لست خلون من ربيع الآخر، ومات محمد ابن أبى خالد فدفن فى داره سرا، وأتى أبو زنبيل خزيمة بن خازم فأعلمه وفاة أبيه، فأعلم حزيمة الناس وقرأ عليهم كتاب عيسى بن محمد إليه، أنه قام بأمر الحرب مقام أبيه، ثم كان بين الحسن وبين أولاد محمد بن أبى خالد وقعات، وانتصر فيها أصحاب الحسن عليهم وهزموهم مرة بعد أخرى.
قال: ولما مات محمد قال بنو هاشم والقواد نصيّر منا خليفة ونخلع المأمون، ثم أتاهم خبر هزيمة أولاد محمد فجدّوا فى ذلك، وأرادوا منصور بن المهدى على الخلافة فأبى، فجعلوه خليفة للمأمون ببغداد والعراق، وقالوا: لا نرضى بالمجوسى ابن المجوسى الحسن بن سهل، وقال المنصور: أنا خليفة أمير المؤمنين حتى يقدم، أو يولّى من أحب فرضى به الناس، وعسكر بكلواذى.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع