تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر غارة البجاة بمصر

فى هذه السنة غارت البجاة على أرض مصر، وكانت قبل ذلك لا تغير لهدنة قديمة، وكانوا يؤدون إلى عمال مصر الخمس مما فى بلادهم من معادن الذهب، فامتنعوا من ذلك فكتب صاحب البريد إلى المتوكل بخبرهم، وأنّهم قتلوا عدة من المسلمين ممن يعمل فى المعادن، وزاد شرهم حتى خاف أهل الصعيد منهم على أنفسهم، فولّى المتوكل محمد بن عبد الله القمّى حربهم، واستعمله على معونة قفط والأقصر وأرمنت وإسنا وأسوان، وأمره بمحاربة البجاة، وكتب إلى عنبسة بن إسحاق الضبى- عامل حرب مصر- بإزاحة علّته وإعطائه من الجند ما يحتاج إليه ففعل، وسار محمد إلى أرض البجاة وتبعه من المتطوعة وعمال المعادن خلق كثير، فبلغت عدتهم نحوا من عشرين ألفا من فارس وراجل، وحمل له فى بحر القلزم سبع مراكب موقورة بالدقيق والزيت والتمر والشعير والسويق، وسارت لتوافيه على ساحل البحر ببلاد البجاة، وسار هو إلى بلادهم فى البر حتى بلغ حصونهم، فخرج إليه ملكهم- واسمه على بابا- فى جموع عظيمة أضعاف المسلمين وهم على المهارى، فلم يصدقهم القتال وأراد مطاولتهم حتى تفنى أزوادهم، فيأخذهم باليد من غير حرب، فأقبلت المراكب التى فيها الأقوات ففرقها محمد- على من معه، فعندها صدقهم على بابا القتال

وقاتلهم قتالا شديدا، وكانت إبلهم زعرة تنفر من كل شىء، فجمع القمى الأجراس وجعلها فى أعناق خيله، وحمل عليهم فنفرت إبل البجاة لأصواتها وتفرقت، وسارت على الجبال والأودية وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون إلى الليل، ولم يقدروا على إحصاء القتلى لكثرتهم، ثم طلب ملكهم الأمان على أن يرّد عليه مملكته وبلاده، ويؤدى الخراج للمدة التى منعها وهى أربع سنين، فأمّنه محمد وسار به إلى المتوكل، فخلع عليه وعلى أصحابه وكساهم الحلل المدبّجة، وأعاده مع القمى فرجع إلى بلاده وهو على دينه، وكان معه صنم من حجر يسجد له وهو كهيئة الصبى.

وفى جمادى الآخرة منها ماجت النجوم فى السماء، وجعلت تتطاير شرقا وغربا ويتناثر بعضها خلف بعض كالجراد من قبل غروب الشفق إلى وقت الفجر، ولم يكن مثل هذا إلا لظهور رسول الله ﷺ.

وفيها مات الإمام أحمد بن محمد بن حنبل أبو عبد الله الشيبانى ببغداد، يوم الجمعة لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول وله سبع وسبعون سنة وأيام، وقيل فى هذا التاريخ من شهر ربيع الآخر والله أعلم.

وحجّ بالناس عبد الله بن محمد بن داود.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.