من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر وفاة عبد الرحمن وصفته وشىء من أخباره وسيرته
/ كانت وفاته بقرطبة فى يوم الثلاثاء لستّ بقين من شهر ربيع الآخر سنة إحدى وسبعين ومائة، وقيل توفى فى غرة جمادى الأولى سنة اثنتين وسبعين ومائة، وهو الصحيح وصلّى عليه ابنه عبد الله، وكان قد عهد إلى ابنه هشام بمدينة ماردة واليا عليها، وابنه سليمان بطليطلة واليا عليها، فلم يحضرا موت أبيهما.
وكان مولد عبد الرحمن بدير حنا من عمل دمشق، وقيل بالعلياء من ناحية تدمر فى سنة ثلاث عشرة ومائة فكان عمره تسعا وخمسين سنة، ومدة ولايته بالأندلس ثلاثا وثلاثين سنة وأربعة أشهر وأربعة عشر يوما. وكان أصهب خفيف العارضين طويل القامة نحيف الجسم أعور، وكان فصيحا لسنا شاعرا حليما عالما حازما، سريع النهضة فى طلب الخارجين عليه، لا يخلد إلى راحة،
ولا يسكن إلى دعة، ولا يكل أموره إلى غيره، ولا ينفرد فى إبرامها برأيه. وكان يشبّه بأبى جعفر المنصور فى حزمه وشدّته وضبطه لملكه، وبنى الرصافة بقرطبة تشبها بجده هشام حيث بنى الرصافة بالشام، وقال.: وكان عبد الرحمن من ذوى الآداب، وله شعر حسن، فمن شعره ما قاله بالأندلس يتشوق معاهده بالشام:
أيّها الراكب الميمّم أرضىأقر من بعضى السّلام لبعضى
إنّ جسمى كما علمت بأرضوفؤادى كما عملت بأرض
قدّر البين بيننا فافترقناوطوى البين عن جفونى غمضى
قد قضى الله بالفراق علينافعسى باجتماعنا سوف يقضى
ومن شعره ما قاله لما عمّر الرصافة بقرطبة، وقد رأى فيها نخلة منفردة، فقال:
تبدّت لنا بين الرّصافة نخلةتناءت بأرض الغرب عن بلد النّخل
فقلت شبيهى فى التّغرّب مثلهاوطول اكتئابى عن بنىّ وعن أهلى
نشأت بأرض أنت فيه غريبةفمثلك فى الإقصاء والمنتأى مثلى
سقتك غوادى المزن من صوبها الذىيسحّ وبستمرى السّماكين بالوبل
وله غير ذلك من الشعر. وسار أحسن سيرة وكان نقش خاتمه «بالله يثق عبد الرحمن ويعتصم». وكان له من الأولاد الذكور أحد عشر ولدا وهم أيوب الشامى ولد بالشام، وسليمان وهشام ولى عهده وهو الوالى بعده ولد بالأندلس، وعبد الله ولد ببلنسية وعرف بالبلنسى ومسلمة المعروف بكليب وأمية، ويحيى، والمنذر، وسعيد الخير، ومحمد، والمغيرة، ومعاوية، وتسع بنات.
حاجبه: تمام بن علقمة وغيره.
كتّابه: أبو عثمان، وعبد الله بن خالد، وغيرهما قضاته: يحيى بن يزيد التجيبى ومعاوية بن يوسف/ الحضرمى، وعمر بن شراحيل، وعبد الرحمن ابن طريف اليحصى.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع