من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر ولاية المأمون القاسم بن حمود بن ميمون الفاطمىّ
ولى بعد مقتل أخيه الناصر فى أواخر سنة ثمان وأربعمائة، وكان أسنّ من الناصر بعشرة أعوام، ونعت نسفه بالمأمون/ وكان يحبّ الموادعة، فأمن الناس معه. وكان يذكر عنه أنه يتشيّع ولم يظهر ذلك، ولا غيّر للناس عادة ولا مذهبا، وكذلك سائر من ولى منهم بالأندلس. فبقى القاسم إلى شهر ربيع الأول سنة اثنتى عشرة وأربعمائة، فقام عليه ابن أخيه يحيى بن على بن حمّود بمالقة، فهرب القاسم عن قرطبة بغير قتال، وصار إلى إشبيلية.
وزحف ابن أخيه المذكور من مالقة بالعساكر، فدخل قرطبة دون مانع، وتسمّى بالخلافة وتلقّب، فبقى كذلك إلى أن اجتمع للقاسم أمره واستمال البربر، وزحف بهم إلى قرطبة فدخلها فى سنة ثلاث عشرة وأربعمائة. وهرب يحيى بن على إلى مالقة، فبقى القاسم بقرطبة شهورا.. ثم اضطرب أمره، وغلب ابن أخيه يحيى على الجزيرة الخضراء وكانت معقل القاسم وبها كانت امرأته وذخائره.
وغلب ابن أخيه إدريس بن على [شقيق يحيى] صاحب سبتة على طنجة، وكانت عدة القاسم يلجأ إليها إن رأى
ما يخاف. وقام عليه جماعة أهل قرطبة فى المدينة، وأغلقوا أبوابه دونه، فحاصرها نيّفا وخمسين يوما، ثم زحف أهل قرطبة فانهزموا عن القاسم. ولحقت كلّ طائفة ببلد فغلبت عليه، وذلك فى شعبان سنة أربع عشرة وأبعمائة وأعاد أهل قرطبة الدولة الأموية/ على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
قال: وأما القاسم فقصد إشبيلية وبها ابناه محمد والحسن فلما عرف أهل إشبيلية خروجه عن قرطبة ومجيئه إليهم طردوا ابنيه ومن كان معهما، وضبطوا بلدهم وقدّموا على أنفسهم ثلاثة رجال؛ منهم القاضى أبو القاسم محمد بن إسماعيل بن عبّاد اللخمى، ومحمد بن مرثم الإهابى، ومحمد بن محمد بن الحسن الزبيدى، ومكثوا كذلك أياما مشتركين فى سياسة البلد وتدبيره، ثم انفرد القاضى أبو القاسم بن عباد على ما نذكره إن شاء الله.
ولحق القاسم بشريسش، واجتمع البربر على تقديم ابن أخيه يحيى، وحصروا القاسم حتى صار فى قبضة ابن أخيه. وانفرد بولاية البربر، وبقى القاسم أسيرا عنده وعند أخيه إدريس إلى أن مات إدريس، فقتل القاسم خنقا فى سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، وحمل إلى ابنه محمد بن القاسم بالجزيرة فدفنه هناك.
وكانت ولاية القاسم تّسمّى بالخلافة بقرطبة إلى أن أسّره ابن أخيه ستّة أعوام، ثم كان مقبوضا عليه ستّ عشرة سنة عند ابنى أخيه إلى أن مات- قيل ومات وهو ابن ثمانين سنة- وله من الولد محمد والحسن وأمهما أميرة بنت الحسن بن فنون بن إبراهيم العلوى.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع