من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر ولاية المعتمد على الله
محمد بن عباد ابن محمد بن إسماعيل بن قريش بن عبّاد، وكنيته أبو القاسم.
ولى بعد وفاة أبيه فى سنة ستين وأربعمائة، وقيل فى سنة إحدى وستين، وكان مولده بباجة سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، فكان عمره حين ولى ثلاثين سنة. وكان فيه أدب وشعر وكرم/ وتواضع وشجاعة، قال أبو بكر محمد بن عيسى المعروف بابن اللبانة كاتبه يصف الدولة العبادية «كانت الدولة العبادية تشبه العباسية، بها وسعة ملك ووثاق عهد وانتظام عقد، وعدل أئمة واعتدال أمة، كان أربابها يتنافسون فى المكارم ويتغايرون على الشرف المتقادم..
من حلبة السّبق لا برق يخاطفهاإلى مداها ولا ريح يجاريها
تردّهم نسبة نحو السماء فهممن مائها، وعلاهم من دراريها
يشير إلى المنذر بن ماء السماء، ثم قال «جمعوا كرم الأخلاق إلى شرف الأعراق، وحملوا حلى الأداب على الأحساب، وعضّدوا البأس بالكرم وأيّدوا بالسيف والقلم..
نفر إلى ماء السماء نماهمنسب على أوج النجوم مخيّم
بالبيض والبيضات والخلق اكتسوافتوسّحوا وتتوّجوا وتعمّموا
وكان بهذا البيت سرير الفلك الدائر وغريبه البحر الزاخر المعتمد على الله المؤيد بنصر الله أبو القاسم محمد» وذكر نسبه، ثم قال:
من بنى المنذر وهو انتساب ... البيتين، وقد ذكرناهما آنفا، وقال تلوهما: وكذلك يطّرد النّسب اطراد/ الشآبيب، ويتّسق إتّساق الأنابيب، فهو كما قيل:
شرف ينقّل كابرا عن كابركالرّمح أنبوب على أنبوب
إلى مركز الدائرة من لخم وواسطة المنتخبين من يعرب وقحطان! ثم ذكر مولده وولايته على ما قدمنا وذكر خلعه فى سنة أربع وثمانين على ما نذكره إن شاء الله.
وكان سبب خلعه وانقراض دولته أن الفرنج- لعنهم الله- لما استولوا على طليطلة وملكها الأذفونش- وهو ألفنش- فى سنة ثمان وسبعن وأربعمائة على ما قدمناه. وكان المعتمد. يؤدّى إليه ضريبة فى كلّ سنة، فلما سيّرها إليه بعد استيلائه على طليطلة لم يقبلها وأعادها، وأرسل إليه يتوعده ويقول له: أنا آخذ مدينة قرطبة كما أخذت طليطلة إلا أن ترفع يدك عن جميع الحصون وتسلّمها إلينا ويكون لك السّهل من البلاد! وكان الرسول سلبيب اليهودىّ ومعه خمسمائة فارس، وطلب منه اثنى عشر ألف دينار، فأمر المعتمد بإنزال الخيالة على أهل العسكر متفرقين وأمر كلّ من عنده فارس منهم أن يقتله. ولما جنّ الليل أحضر اليهودىّ وكشف رأسه، وأمر بضربه بالنعال المسمرة، حتى خرجت عيناه من رأسه. وهرب من الخيالة ثلاثة، فوصلوا
إلى الأذفوشن وأعلموه بقتل أصحابه وكان متوجها إلى قرطبة يريد حصارها- فلما جاءه الخبر رجع إلى طليطلة ليستعد ويهيّىء آلات الحصار.
فلما سمع المعتمد برحيله إلى طليطلة سار هو إلى إشبيلية فبلّغ مشايخ قرطبة ما جرى، فاجتمعوا بالفقهاء وقالوا: هذه مدائن الأندلس قد غلب عليها الفرنج ولم يبق منها إلا القليل، وإن استمرّت الأحوال على ما نرى عادت نصرانية كما كانت! ثم ساروا إلى القاضى عبد الله بن محمد بن أدهم فقالوا له: ألا تنظر إلى ما فيه المسلمون من الصّغار والذلة وإعطائهم الجزية إلى الفرنج بعد أن كانوا يأخذونها منهم، وابن عبّاد هو الذى حمل الفرنج على المسلمين حتى جرى ما جرى وطلب منه ما طلب، وقد دبّرنا رأيا نعرضه عليك! قال: وما هو؟ قالوا: نكتب إلى عرب أفريقية ونعلمهم أنهم إن وصلوا إلينا قاسمناهم فى أموالنا وخرجنا معهم مجاهدين فى سبيل الله تعالى! قال: أخاف أن يخربوا الأندلس كما فعلوا بأفريقية ويتركوا الفرنج ويبدأوا بكم والمرابطون أقرب إلينا وأصلح حالا. قالوا: فكاتب يوسف بن ناشفين ورغّب إليه أن يدخل إلينا بنفسه أو يرسل إلينا قائدا من قوّاده. قال: أمّا الآن فقد أشرتم برأى فيه السّداد! وقدم المعتمد إلى قرطبة فى أثر ذلك، فدخل عليه القاضى وأعلمه بما دار بينه وبين أهل قرطبة وما اتفقوا عليه، فقال المعتمد:
نعم ما أشاروا به وأنت رسولى/ إليه! فامتنع القاضى واستعفاء
وإنما أراد أن يقوّى عزمه على إرساله فقال: لا أجد لها غيرك.
فسار القاضى، وصحبه أبو بكر بن القصيرة الكاتب إلى أمير المسلمين، فوجداه بسبتة، فأبلغاه الرسالة. وأعلماه بحال المسلمين وما هم عليه من الخوف والجزع من الأذفونش، وأنهم يستنصرون بالله ثم به؛ وأن المعتمد يستنجده عليه. فأمر يوسف فى الحال بإدخال العساكر إلى الجزيرة الخضراء، وأقام بسبتة وأنفذ إلى مراكش فى طلب من بقى، ودخل فى آخر العساكر.. هذا ما نقله أهل التاريخ، أن القاضى وابن القصيرة كانا رسولين إليه، وقيل إن المعتمد بن عبّاد سار بنفسه بغير واسطة وتلطّف فى الدخول عليه إلى أن انتهى إلى آخر بواب فقال له: قل لأمير المسلمين إن ابن عبّاد بالباب! فلما أعلمه بذلك ارتاع وظن أنه قدم بعساكره، وسأله عن حقيقة الحال فقال: هو ببابك وحده فأذن له، فدخل عليه، فأكرمه ووعده النصر. وعاد ابن عباد، ولحقه أمير المسلمين.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع