من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر ولاية يحيى بن تميم بن المعز بن باديس ابن المنصور يوسف بن زيرى
كانت ولايته عند وفاة أبيه تميم فى يوم السبت النصف من شهر رجب سنة إحدى وخمسمائة، ومولده بالمهدية فى يوم الجمعة لأربع بقين من ذى الحجة سنة سبع وخمسين وأربعمائة. ولما ولى عم
أهل دولته من الخواص والجند بالخلع السنية، ووهب الأجناد والعبيد أموالا كثيرة.
وفى هذه السنة، جرد عسكرا إلى قلعة اقليبية، وهى من أحصن قلاع إفريقية. وقدّم عليهم الشريف «على الفهرى». فنزل عليها وحاصرها حصارا شديدا ففتحها. وكان تميم قد رامها فلم يقدر على فتحها.
وفى سنة اثنتين وخمسمائة، وصل إلى المهدية ثلاثة نفر غرباء. فكتبوا إلى يحيى يقولون إنهم يعملون الكيمياء. فأحضرهم عنده وأمرهم أن يعملوا شيئا من صناعتهم. وأحضر لهم ما طلبوه من صناعتهم، وأحضر لهم ما طلبوه من آلة وغيرها. وقعد معهم هو والشريف أبو الحسن. فلما رأى الكيميائية المكان خاليا ثاروا بيحيى. فضربه أحدهم على رأسه، فوقعت السكين فى عمامته فلم تصنع شيئا. ورفسه يحيى فألقاه على ظهره. ودخل يحيى بابا وأغلق على نفسه. وضرب الثانى الشريف فقتله. وأخذ إبراهيم القائد السيف فقاتل الكيميائية. ورفع الصوت فدخل أصحاب الأمير يحيى فقتلوا أولئك. وكان زيهم زى أهل الأندلس، فقتل جماعة فى البلد على مثل زيهم.
وقيل ليحيى: «إن هؤلاء رآهم بعض الناس عند المقدم بن
الخليفة». واتفق أن الأمير أبا الفتوح إبراهيم أخا يحيى وصل فى تلك الساعة إلى القصر، فى أصحابه وقد لبسوا السلاح. فمنع من الدخول. فثبت عند يحيى أن ذلك بوضع منهما. فأحضر المقدم بن خليفة وأمر أولاد أخيه فقتلوه قصاصا، لأنه كان قد قتل أباهم.
وأخرج الأمير أبا الفتوح وزوجته إلى قصر زياد بين المهدية وسفاقس، ووكل بهما. فبقى هناك حتى مات يحيى وولى ابنه على. فسيّره إلى ديار مصر فى البحر.
وفى سنة أربع وخمسمائة، أنفذ ابنه أبا الفتوح واليا على مدينة سفاقس. فقام أهلها عليه فنهبوا قصره وهمّوا بقتله. فلم يزل يحيى يعمل الحيلة حتى فرق كلمتهم وبدد شملهم وملك رقابهم وملأ السجون منهم. ثم عفّ عن دمائهم وعفا عن ذنوبهم.
وفى أيام يحيى وصل إلى المهدية من طرابلس المهدى محمد بن تومرت، وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع