تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر صفة الدعوة السابعة

قال ﵀: اعلم أنّه متى أنس المدعو، بما ذكرناه كلّه أو بكثير منه، وقوى في نفس الداعى أنّه يصلح لما بعد هذا، إن كان الداعى بالغا، وبأغراض الدعوة عالما، وإلى التبليغ بمن يدعوه إلى هذه الأمور قاصدا- أتى بما نذكر؛ وأمّا إن كان الداعى مخدوعا ومتّخذا كالآلة ليتوصل به إلى التكسّب، ويمهدّ به الطريق ويرتّب، وهو غير بالغ إلى أعلى الرتبة في دعوة دون ذلك، فإنّه غافل لا يدرى كيف قصّته، ولا يظنّ أنّ الأمر الذي يراد به إلا ما عرفه وبلغه، أو ما يجانسه ويقاربه، فإذا أراد الداعى أن يسلك بالمدعو فوق ما وصفنا قال له: قد صحّ لك أنّ صاحب الدلالة الناصب للشريعة لا يستثنى بنفسه، ولا بدّ له من صاحب معه يعبّر عنه، ليكونا اثنين أحدهما هو الأصل والآخر عنه كان.

واعلم أنّ ذلك لم يحصل في العالم السفلى إلا وقد يحصل مثله في العالم العلوى، فمذ بدء العالم اثنان هما أصل الترتيب وقوام النظام، أحدهما هو الأعلى والمفيد، والآخر هو الآخذ عنه المستفيد، وربما أنسوه في ذلك بأن يقولوا له: هذا هو الذى أراده الله بقوله (إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ

، وكن هو الأكبر

فى الرتبة، وأما الثانى فهو القدر الذى قال (الله) فيه (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ)

، وربما قالوا: هذا معنى ما تسمعه مما جاءت به الملّة، من أنّ أوّل ما خلق الله اللوح والقلم، وقال للقلم اكتب ما هو كائن، واللوح والقلم هما ما ذكرنا، وربما قالوا: هذا معنى قول الله تعالى (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ)

، فسلك به فى هذا الطريق العدول عن التوحيد، وأنّ الصانع اثنان، وإن كان عندهم صنع الأجسام على جهة المثل والنظام، لا على معنى الاختراع والإحداث، وسيأتى ذلك وبيانه، وإنّما قدّم هذا تمهيدا له.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.