من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر عصيان الملك مسعود على أخيه السلطان محمود والحرب بينهما والصلح
وفى سنة أربعة عشرة وخمسماية فى شهر ربيع الأول كان المصاف بين السلطان محمود وأخيه مسعود. وكان لمسعود الموصل وأذربيجان وكان سبب هذه الحرب أن دبيس بن صدقة كان يكاتب جيوش بك أتابك الملك مسعود، ويحثه على طلب السلطنة. وكان مقصد أن يقع الاختلاف بينهما، فينال من الجاه وعلو المنزلة ما ناله أبو باختلاف السلطان محمد وبركياروق. وكان اقسنقر البرسقى مع الملك مسعود منذ فارق شحنكية بغداد، وأقطعه الملك مسعود مراغا مضافة إلى الرحبة. وكان بينه وبين دبيس عداوة مستحكمة.
فكاتب دبيس جيوش بك يشير عليه بالقبض على البرسقى، فعلم البرسقى بذلك، ففارقهم إلى السلطان محمود، فأكرمه وأعلا محله وزاده.
واتصل الأستاذ أبو اسماعيل الحسين بن على الأصبهانى الطغرائى بالملك مسعود. فاستوزره مسعود بعد (أن) عزل (أبا على) بن عمار، فحسن له أيضا مخالفة السلطان، والخروج عن طاعته. فبلغ السلطان محمود الخبر فكتب إليهم يحذرهم من مخالفته، ويعدهم الإحسان إن أقاموا على الطاعة، فلم يصغوا إلى قوله وأظهروا ما كانوا أضمروه،
وخطبوا للملك مسعود بالسلطنة، وضربوا له النوب الخمس، وكان ذلك على تفرق عساكر السلطان محمود، فقوى طمعهم وأسرعوا إليه ليلقوه وهو فى قلة من العسكر. واجتمع إليه نحو خمسة عشر ألف فارس.
فسار السلطان إليهم فالتقوا عند عقبة استراباد نصف شهر ربيع الأول، واقتتلوا نهارا كاملا والبرسقى فى مقدمة عسكر السلطان محمود وأبلى يومئذ بلاء حسنا. فانهزم عسكر الملك مسعود فى آخر النهار، وأسر جماعة كبيرة من أعيان أصحابه. وأسر الوزير، فأمر السلطان بقتله وقال: «ثبت عندى فساد نيته» وكان حسن الكتابة والشعر، وله تصانيف فى صنعة الكيميا ضيعت للناس من الأموال ما لا يحصى كثرة.
قال: ولما انهزم أصحاب الملك مسعود وتفرّقوا، قصد جبلا بينه وبين المصاف اثنى عشر فرسخا، واختفى فيه بألفى فارس، وأرسل إلى أخيه يطلب منه الأمان، فرق له وأجابه إلى ما طلب، وأمر اقسنقر البخارى بالمسير إليه وإعلامه بعفو السلطان وبسط أمله.
ولما كتب إلى أخيه فى طلب الأمان وصل إليه بعد ذلك بعض
الأمراء، وحسن له المسير إلى الموصل، ومكاتبة دبيس بن صدقة، والاتفاق معه، ومعاودة طلب السلطنة، فسار من ذلك الموضع ووصل اقسنقر البخارى فلم يجده فسار فى أثره وجد المسير، فأدركه على ثلاثين فرسخا من مكانه ذلك، فاجتمع به وعرفه عفو أخيه عنه، وضمن له ما أراد، وأعاده إلى العسكر، فأمر السلطان العساكر باستقباله وتعظيمه، ففعلوا ذلك. وأمر السلطان بإنزاله عند والدته وجلس له وأحضره، واعتنقا وبكيا، وانعطف عليه السلطان محمود، ووفّى له، وخلطه بنفسه فى جميع أحواله، فعد الناس ذلك من مكارم السلطان محمود. وكانت الخطبة لمسعود بالسلطنة بأذربيجان والجزيرة والموصل ثمانية وعشرين يوما.
وأما أتابكه جيوش بك فإنه سار إلى عقبة استراباد، وانتظر الملك مسعود فلم يره، فلما أيس منه سار إلى الموصل، ونزل بظاهرها وجمع الغلات من السواد إليها، واجتمع إليه عسكره فلما بلغه ما كان من أمر الملك مسعود وأخيه، سار إلى السلطان هو بهمذان ودخل إليه فأمنه.
وأما الأمير دبيس بن صدقة، فإنه نهب البلاد وخربها وفعل الأفعال القبيحة، فأمنه السلطان، والله أعلم.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع