من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر ابتداء حال عماد الدين زنكى وترقيه وتنقله فى الولايات
كان ابتداء ولايته فى سنة ست عشرة وخمسماية، وذلك أن السلطان محمود أقطع الأمير اقسنقر البرسقى مدينة واسط.
وأعمالها، مضافا إلى ما بيده من ولاية الموصل وشحنكية العراق وغير ذلك. فسير البرسقى إليها عماد الدين زنكى وأمره بحمايتها.
فسار إليها فى شعبان وقام بحمايتها أحسن قيام، وحضر مع الخليفة المسترشد بالله قتال دبيس بن صدقة أمير الحلة. وكان لعماد الدين فى ذلك آثار حسنة، وأقام إلى أن عزل اقسنقر البرسقى عن شحنكية العراق ورجع إلى الموصل فى سنة ثمانى عشرة وخمسماية.
وكان عماد الدين إذ ذاك بالبصرة قد سيره البرسقى لحمايتها.
فلما توجه البرسقى إلى الموصل أرسل إليه يأمره باللحاق به، فقال لأصحابه: «قد ضجرنا مما نحن فيه بالموصل، فى كل يوم أمير جديد، ونحتاج نخدمه، وقد رأيت أن أسير إلى السلطان محمود فأكون معه»؛ فأشاروا عليه بذلك. فسار إلى السلطان [محمود] فقدم عليه وهو بإصفهان، فأكرمه. وكان يقف عن يمين تخت السلطان إلى جانبه لا يتقدم عليه غيره، وهى منزلة والده من قبله.
ثم بلغ السلطان [محمود] أن العرب تجمعت ونهبت البصرة، فأقطعها لعماد الدين زنكى، وأعاده إليها، وهذه الولاية هى أول ولاياته من قبل السلطان، فضبط عماد الدين زنكى البصرة وأعمالها وقام فيها أحسن قيام، وكف الأيدى عنها.
فلما وقع الاختلاف بين السلطان محمود والخليفة المسترشد بالله، وحضر السلطان إلى بغداد وحصرها كما قدمنا ذكر ذلك، أرسل إلى عماد الدين زنكى وهو بواسط يأمره بالحضور بنفسه ومعه المقاتلة فى السفن وعلى الدواب. ففعل [عماد الدين زنكى] ذلك وجاء فى موكب عظيم فى البر والبحر، فركب السلطان للقائه، ورأى الناس من ذلك ماهالهم، وعظم عماد الدين فى أعينهم. ثم حصل الاتفاق بعد ذلك بين السلطان والخليفة كما ذكرنا.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع