تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر ملك أبغا بن هولاكو بن تولى خان ابن جنكزخان

وهو الثانى من ملوك هذا البيت جلس على كرسى المملكة بعد وفاة أبيه هولاكو فى تاسع عشر شهر ربيع الاخر سنة ثلاث وستين وستماية. فأول ما بدأ به أن جهز جيشا لحرب عساكر بركة ملك

البلاد الشمالية، فتوجه العسكر والتقى مع عساكر بركة، فكانت الهزيمة على أصحاب أبغا كما شرحنا ذلك فى أخبار بركة، وهى الوقعة الثانية بين عسكريهما.

وفى سنة اثنتين وسبعين وستماية وقع بين أبغا وبين ابن عمه تكدار بن موجى بن جغطاى بن جنكزخان. وكان تكدار مقدما على ثلاثين ألفا، وهو مقيم ببلاد كرجستان، فكاتب قيدو وقصد الاتفاق معه على أبغا، فوقعت الكتب فى يد أبغا فطلب عساكره المتفرقة من الروم وغيرها وقصد تكدار، فانهزم والتجأ إلى بلاد الكرج بمن معه، فمنعه صاحبها الملك كركيس من دخولها، فأوى إلى جبل من جبالها هو ومن معه، فأكلت خيولهم من عشبه وكان فيه حشيشة مضرة بالدواب، فنفقت خيولهم، فطلبوا الأمان من أبغا فأمنهم فنزلوا إليه، ففرّق أصحاب تكدار فى جيوشه، ورسم لتكدار أن لا يركب فرسا قارحا ولا جزعا إلا مهرا صغيرا، وأن لا يمس بيده قوسا. فبقى كذلك حتى مات، حتى أن ولدا له صغيرا أحضر إليه قوسه ليوتره له، فامتنع وقال: ما أقدر أمس القوس بيدى لأجل مرسوم أبغا.

وفى سنة خمس وسبعين وستمائة وقع المصاف الكائن بين السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس وبين المغل أصحاب أبغا،

ومعهم العسكر الرومى بالبلستين من بلاد الروم. فكانت الهزيمة على المغل وعساكر الروم، على ما نذكر ذلك إن شاء الله فى أخبار دولة الترك فى أيام الملك الظاهر. وقتل وأسر من المغل فى هذا لمصاف خلق كثير، وقيل أيضا وأسر من عسكر الروم. فلما اتصلت هذه الوقعة بأبغا جاء إلى موضع المضاف وشاهد القتلى، فاستعظم قتل المغل وأسرهم؛ وجاءه أيبك الشيخ أحد أمراء الملك الظاهر- وكان قد هرب- فأطلعه على أن البرواناه- وهو المتحكم فى الروم نيابة عن الملوك السلجقية- كاتب المك الظاهر، وحثه الى قصد الروم، فنقم أبغا على البرواناه وأكد ذلك عنده أنه وجد القتلى من المغل وليس من الروم إلا القليل، فأمر عند ذلك بنهب بلاد الروم، وقتل من بها من المسلمين، فتفرقت عساكره تقتل وتنهب المسلمين خاصة سبعة أيام، ووكل أبغا بالبرواناه من يحفظه من حيث لم يشعر بذلك.

ثم سار إلى أرزنكان اشتراها؛ واعتد ثمنها من الإتاوة التى على بلاد الروم، وأخذ فى استرجاع قلاع الروم. فلما وصل إلى قلعة بابرت، خرج إليه شيخ منها، وقال له: «أريد أمان القان لأتكلم بين يديه». فقال: «قل ولك الأمان». فقال: «إن

عدوك حضر إلى بلادك ولم يتعرض إلى رعيتك، ولا أسأل لهم محجمة دم، وأنت قصدت العدو وجئت فى طلبه، فلما فاتك قتلت رعيتك ونهبت بلادهم وخربتها. فمن هو من الخانات الذين تقدموك من أسلافك فعل مثل هذا الفعل وسن هذه السنة؟» فأنكر أبغا عند ذلك على الأمراء الذين أشاروا عليه بذلك وأمر بإطلاق الأسرى المسلمين، فأطلقوا، وكانوا أربعمائة ألف أسير، وعاد إلى الأردو.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.