من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر بيعة القائم بأمر الله
هو أبو القاسم محمّد، وقيل أبو العبّاس، ويدعى نزارا، وكان اسمه بالمشرق عبد الرحمن فتسمى محمّد بن عبيد الله المهدىّ، وهو الثّانى من ملوك الدّولة العبيديّة؛ بايع له أبوه بولاية العهد كما تقدّم، ثم جدّدت له البيعة بعد وفاة أبيه بسنة، فإنّه كتم وفاته سنة كاملة، حتّى مهّد قواعد دولته، ثم أظهرها. واستقلّ بالأمر وهو ابن سبع وأربعين سنة، فقام مقام أبيه، واقتفى آثاره، وأظهر عليه من الحزن ما لم يسمع بمثله وواصل الحزن لفقده، ولم يرق سريرا، ولا ركب دابة منذ أفضى إليه الأمر إلى أن مات إلّا مرّتين، مرّة صلّى على جنازة، ومرّة صلّى بالنّاس العيد. وافتتحت فى أيامه مدائن كثيرة من مدن الروم؛ وثار عليه عدّة ثوّار فتمكّن منهم؛ فكان ممّن ثار عليه ابن طالوت القرشىّ، فسار إلى ناحية طرابلس وزعم للبربر أنّه المهدىّ فقاموا معه واتبعوه، فزحف بهم على مدينة طرابلس فى عدد عظيم، ثم تبيّن للبربر أمره فقتلوه، وأتوا برأسه إلى أبى القاسم.
قال: وأوّل ما بدأ به أنه أمر باتّخاذ أنواع السّلاح فى سائر البلاد،
وأخرج ميسور الصقلبى فى عدد عظيم إلى المغرب، فانتهى إلى مدينة فاس، وهزم ابن أبى العافية، وأخذ ابنه الثورى أسيرا، وأخرج بعد ذلك يعقوب بن إسحاق على أسطول عظيم إلى بلد الرّوم، فافتتح بلد جنوة.
وكان ممّن خرج عليه أبو زيد مخلّد بن كيداد، فى سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، وهو رجل إباضىّ، يظهر الزّهد، وأنّه إنما قام عليهم غضبا لله. وكان لا يركب غير حمار، ولا يلبس إلّا الصّوف. وكان بينهما وقائع كثيرة، فملك أبو زيد جميع مدن القيروان، ولم يبق للقائم غير المهديّة، فحاصرها أبو زيد إلى أن هلك القائم. وكان بينه وبين ابنه المنصور ما نذكره إن شاء الله تعالى.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع