من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر ملك الفرنج طرابلس وبيروت
كان صنجيل لمّا ملك مدينة جبيل، كما ذكرنا، حصر طرابلس، فلمّا
لم يتمكّن منها وعجز عن الاستيلاء عليها بنى بالقرب منها حصنا وجعل تحته ربضا، وأقام يرصدها ينتظر فرصة، فخرج فخر الملك أبو على بن عمّار، صاحب طرابلس، فأحرق ربضه؛ فوقف صنجيل على سقوفه المحترقة، ومعه جماعة من القمامصة والفرسان، فانخسف بهم. فمرض صنجيل عشرة أيّام، ومات، وحمل إلى القدس فدفن هناك. وذلك فى سنة تسع وتسعين وأربعمائة.
ودامت الحرب على طرابلس خمس سنين. فسار فخر الملك ابن عمّار إلى بغداد يستنجد بالخليفة والسّلطان على الفرنج، على ما ذكرناه، وعاد من بغداد فى منتصف المحرم سنة اثنتين وخمسمائة وتوجه إلى جبيلة فدخلها وأطاعه أهلها.
وأما طرابلس فإن ابن عمّار لمّا فارقها راسل أهلها الأفضل أمير الجيوش يلتمسون منه واليا يكون عندهم ومعه الميرة فى البحر، فسيّر إليهم الأفضل شرف الدّولة بن أبى الطّيّب واليا، ومعه الغلال وغيرها. فلمّا صار إليها قبض على جماعة من أهل ابن عمّار واستولى على ما وجده من أمواله وذخائره.
فلمّا كان فى شعبان سنه ثلاث وخمسمائة وصل أسطول كبير من بلد
الفرنج، مقدّمه قمص كبير اسمه ريمند بن صنجيل، ومراكبه مشحونة بالرّجال والسلاح والميرة وليس ريمند هذا ابن صنجيل صاحب الحصن المقدم ذكره. فنزل على طرابلس وكان السّردانى وهو ابن اخت صنجيل محاصرا لها قبله، فجرت بينهما فتنة أدّت إلى الشرّ والقتال فوصل تنكرى صاحب أنطاكيّة إليها إعانة للسّردانى، ووصل بغدوين صاحب البيت المقدّس فى عسكره، فأصلح بينهم ونزل الفرنج بأجمعهم على طرابلس وضايقوها، وذلك فى شعبان، وألصقوا أبراجهم بسورها. فلمّا شاهد الجند وأهل البلد ذلك سقط فى أيديهم، وذلّت نفوسهم، وزادهم ضعفا. فتأخر الأسطول المصرىّ عنهم بالميرة والنّجدة؛ وداوم الفرنج القتال والزّحف إلى أن ملكوا البلد عنوة؛ وذلك فى يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من ذى الحجة، سنة ثلاث وخمسمائة. ونهبوا ما فيها، وأسروا الرجال، وسبوا النّساء والذّرّية، وغنموا من أهلها من الأموال والأمتعة
وكتب العلم الموقوفة ما لا يحد ولا يوصف.
وكانت طرابلس من أعظم البلاد وأهلها من أكثر الناس أموالا.
وسلم الوالى الذى كان بها وجماعة من جندها كانوا التمسوا الأمان قبل فتحها، فوصلوا إلى دمشق؛ وعاقب الفرنج أهل طرابلس بأنواع العقوبات، وأخذت دفائنهم وذخائرهم.
ووصل الأسطول المصرى بالرجال والغلال وغيرها، ما يكفيهم سنة، وكان وصول الأسطول إليها بعد أن ملكت بثمانية أيام؛ ففرّق ما فى الأسطول على الجهات المجاورة لها: صور وصيدا وبيروت.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع