من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
جامع أخبار الدّولة العبيديّة ومدّتها ومن ملك من ملوكها
كانت مدّة تغلّب ملوك هذه الدّولة على البلاد منذ أخرج أبو عبد الله الشيعىّ عبيد الله، المنعوت بالمهدىّ، من سجلماسة، من سجن اليسع ابن مدرار إلى أن مات العاضد هذا مائتى سنة وسبعين سنة وشهورا.
منها ببلاد الغرب، منذ دخل عبيد الله المهدى رقّاده إلى أن وصل المعزّ لدين الله إلى القاهرة أربع وستون سنة وعشرة أشهر وخمسة وعشرون
يوما. وباقى هذه المدّة بمصر والشّام، إلى أن انقطعت دعوتهم.
بخروج عسقلان عن يد المسلمين واستيلاء الفرنج عليها، فى جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، فى أيام الظافر بأعداء الله فى وزارة عبّاس بن يحيى بن تميم.
وعدّة من ملك منهم أربعة عشر ملكا تسمّوا كلّهم بالخلافة؛ وهم: عبد الله المنعوت بالمهدىّ؛ ثم ابنه القائم بأمر الله أبو القاسم محمد؛ ثمّ ابنه المنصور بنصر الله أبو الظاهر إسماعيل؛ ثم ابنه المعزّ لدين الله أبو تميم معدّ، وهو أوّل من ملك الدّيار المصريّة والبلاد الشامية منهم، وإليه تنسب القاهرة المعزيّة؛ ثم ابنه العزيز بالله أبو المنصور نزار؛ ثمّ ابنه الحاكم بأمر الله أبو على المنصور؛ ثمّ ابنه الظاهر لإعزاز دين الله أبو هاشم، وقيل أبو الحسن، علىّ؛ ثم ابنه المستنصر بالله أبو تميم معدّ؛ ثم ابنه المستعلى بالله أبو القاسم أحمد؛ ثم ابنه الآمر بأحكام الله أبو على المنصور؛ ثم ابن عمّه الحافظ لدين الله أبو الميمون عبد المجيد بن محمّد بن المستنصر بالله؛ ثم ابنه الظّافر بأعداء الله أبو المنصور إسماعيل بن الحافظ؛ ثم ابنه الفائز بنصر الله أبو القاسم عيسى بن الظافر؛ ثم ابن عمّه العاضد لدين الله أبو محمد عبد الله بن يوسف بن الحافظ لدين الله عبد المجيد بن محمد بن المستنصر؛ وعليه انقرضت دولتهم، وانتهت أيّامهم، وباد ملكهم، فلم يعد إلى وقتنا هذا.
قال المؤرخ: ولما خلع العاضد ومات واعتقل الملك النّاصر صلاح الدّين يوسف أولاده بالقصور مرّ القاضى الأرشد عمارة اليمنى الشّاعر بالقصور، وهى مغلّقة الأبواب، مهجورة الجناب، خاوية على عروشها، خالية من أنيسها؛ فأنشأ قصيدته المشهورة التى رثى بها القصور وأهلها،
وهى من عيون المراثى وأوّلها:
رميت يا دهر كفّ المجد بالشّللوجيده بعد حسن الحلى بالعطل
سعيت فى منهج الرّأى العثور، فإنقدرت من عثرات الدهر فاستقل
هدمت قاعدة المعروف عن عجلسقيت مهلا، أما تمشى على مهل!
لهفى ولهف بنى الآمال قاطبةعلى فجيعتنا فى أكرم الدّول
قدمت مصر فأولتنى خلائفهامن المكارم ما أربى على الأمل
قوم عرفت بهم كسب الألوف ومنجمالها أنّها جاءت ولم أسل
منها:
يا عاذلى فى هوى أبناء فاطمةلك الملامة إن قصّرت فى عذلى
بالله زرساحة القصرين، وابك معىعليهما، لا على صفّين والجمل
وقل لأهلهما: والله ما التحمتفيكم جراحى، ولا قرحى بمندمل
ماذا ترى كانت الإفرنج فاعلةفى نسل آل أمير المؤمنين على
هل كان فى الأمر شىء غير قسمة ماملّكتم بين حكم السّبى والنّفل
وقد حصلتم عليها واسم جدّكممحمّد، وأبيكم غير منتقل
مررت بالقصر، والأبواب خاليةمن الوفود، وكانت قبلة القبل
فملت بوجهى خوف منتقدمن الأعادى، ووجه الودّ لم يمل
أسلت من أسفى دمعى غداة خلترحابكم، وغدت مهجورة السّبل
أبكى على مأثرات من مكارمكمحال الزّمان عليها، وهى لم تحل
وهى قصيدة مشهورة مطوّلة.
ولمّا انقرضت هذه الدّولة قامت الدّولة الأيوبيّة على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخبار ملوكها والله أعلم.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع