تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر قدوم أسد الدّين شيركوه إلى الدّيار المصرية ورحيل الفرنج عنها

قال: وقدم أسد الدّين شيركوه بالعساكر، فكان وصوله إلى مصر فى يوم الثلاثاء لليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة أربع وستّين وخمسمائة.

ولمّا بلغ الفرنج قربه عادوا عن القاهرة إلى بلادهم، وكان رجوعهم فى يوم السّبت ثالث شهر ربيع الآخر، ومعهم من الأسرى اثنا عشر ألف نفس. ودخل أسد الدّين القاهرة فى سابع شهر ربيع الآخر، وخرج إليه العاضد لدين الله وتلقّاه. وحضر يوم الجمعة التاسع من الشّهر إلى الإيوان وجلس إلى جانب العاضد، وخلع عليه؛ وفرح النّاس بقدومه.

وعاد أهل مصر إليها، وشرعوا فى إطفاء النّيران وإصلاح ما تشعّث.

وكانت سقوف جامع عمرو بن العاص بمصر قد احترقت فجدّده الملك النّاصر صلاح الدّين يوسف.

قال: وأمر العاضد أسد الدّين بالنّزول على شاطىء النّيل بالمقس، ورتّب له شاور ولمن معه الإقامات الوافرة، وأظهر له ودّا كثيرا، وصار يتردّد إليه فى كلّ يوم. فطلب أسد الدّين من شاور ما لا ينفقه فى عسكره، فمطله

فسيّر إليه شيركوه الفقيه عيسى الهكّارى يطالبه بالنّفقة ويقول له: إن العسكر قد طال مقامهم وطالبوا بالنّفقة وتغيّرت قلوبهم عليك، وإنّى أخشى عليك منهم. فلم يكترث شاور بذلك، وشرع فى المماطلة فيما كان قرّره لنور الدّين.

وعزم شاور على أن يصنع دعوة ويحضر أسد الدّين وجماعة الأمراء الذين معه إلى داره، ويقبض عليهم، ويستخدم من معه من الجند فيمتنع بهم من الفرنج. فنهاه عن ذلك ولده الكامل، وحلف أنّه إن صمّم على هذا الأمر عرّف به شيركوه. فقال له أبوه: والله لئن لم تفعل هذا قتلنا عن آخرنا. فقال الكامل لأبيه: صدقت، ولأن نقتل ونحن مسلمون خير من أن نقتل وقد ملكها الفرنج، فإنّه ليس بينك وبين [عود] الفرنج إلا ان يسمعوا أنّ أسد الدّين قد قبض عليه، وحينئذ لو مشى العاضد إلى نور الدّين ما أغاثه، ويملكون البلاد. فترك ما عزم عليه.

واتّصل ذلك بالعاضد فأعلم شيركوه.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.