من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر انقراض دولة بنى رزيك
قد ذكرنا أن الملك الصّالح بن رزّيك، والد العادل، لمّا حضرته الوفاة أوصى ابنه العادل بوصايا كثيرة منها أنّه لا يعزل شاور من عمله ولا يحرّكه؛ وحذّره من ذلك فلمّا كان فى سنة سبع وخمسين اجتمع أقارب العادل وحسّنوا له عزل شاور عن ولاية الصّعيد، فذكّرهم بوصيّة أبيه، فأصروا على عزله، وكان أشدّهم فى ذلك الأمير عزّ الدّين حسام ابن فضّة، فألزم العادل إلى أن كتب كتابا يستدعى فيه شاور ويأمره بالحضور إلى القاهرة فكتب إليه شاور يستعطفه ويظهر الطّاعة والإدلال لسابق الخدمة لأبيه، ومناصحته فى القيام بأمور الدّولة، ثمّ قال فيه إن كان القصد أن يلى الأعمال أحدكم فليرسل السّلطان من يتسلّمها غير عزّ الدين حسام؛ وإن كان غيركم من الأمراء فأنا أحق به من سواكم؛ وقد سمعتم وصيّة أبيكم الصّالح فى حقّى وما كرّره عليكم فى أمرى
وإقرار أعمال الصّعيد فى يدى. وأرسل الكتاب إلى العادل، فوقف عليه، وأوقف عليه أقاربه وأهله. فقالوا: إن أبقيته طمع فى البلاد ولا يحمل إليك مالا. فقال العادل لهم: المصلحة تركه. فصمّموا على عزله.
فأحضر العادل نصير الدّين شيخ الدّولة، وهو من أقاربه، وخلع عليه وولّاه الأعمال القوصيّة، وكتب على يده إلى شاور بتسليم الأعمال إليه ووصوله إلى القاهرة. وتوجّه نصير الدّين. فلمّا وصل إلى إخميم أقام بها وأرسل الكتاب إلى شاور طىّ كتابه؛ فلمّا وقف شاور على الكتاب أرسل إلى نصير الدّين رسولا من جهته برسالة يقول له: إنّ بينى وبينك صحبة ولا تغترّ بقول حسام، وارجع من حيث أتيت فهو خير لك. فرجع نصير الدّين إلى القاهرة ولم يعاوده.
وأظهر شاور العصيان على الدّولة، وأحضر جماعة من العربان من بنى شيبان وغيرهم، وتوجّه من الأعمال القوصية، وجعل طريقه على الواحات، وخرج منها إلى تروجة، وحشد العربان وأنفق فيهم الأموال؛ فوافقوه وانطاعوا له؛ فسار بهم نحو القاهرة. فندب العادل لحربه سيف الدّين حسينا، صهره، ومعه جماعة من الأمراء. فراسلهم شاور واستمالهم، وبذل لهم الأموال الجمّة، فمالوا إليه فلمّا التقوا انحازوا إلى جماعته وفارقوا مقدّمهم، فانهزم حسين واستجار بظريف ابن مكنون أمير جذام فأجاره، وحمله فى البحر؛ فمضى إلى مدينة الرّسول ﷺ فمات هناك فندب إليه العادل عزّ الدّين حساما، فانهزم منه أيضا.
فعند ذلك خرج العادل من القاهرة وتوجّه إلى إطفيح، واستصحب أهله وذخائره. واستجار بسليمان بن الفيض اللّخمى، وكان من
أصحاب أبيه الصّالح، فأنزله عنده؛ ومضى من وقته إلى شاور وأخبره بخبر العادل، فندب إليه جماعة فأخذوه أسيرا هو ومن معه، ونهب أصحاب ابن الفيض ما كان معه. وحمل إلى شاور فوصل إليه فى ليلة الجمعة لثلاث بقين من المحرّم سنة ثمان وخمسين وخمسمائة فأمر شاور باعتقاله؛ وقال لسليمان بن الفيض: لقد خبأك الصّالح ذخيرة لولده حين استجار بك فأسلمته لى، وأنا أخبئك ذخيرة لولدى. ثمّ أمر به فشنق. وسمّيت فرقة ابن الفيض غمازة من ذلك اليوم، فهى تعرف الآن بهذا الاسم. فكانت أيام العادل سنة واحدة وثلاثة أشهر وأيّاما.
وجميع دولة بنى رزّيك تسع سنين تقريبا.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع