من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر مقتل السلطان الملك المعظم
كان مقتله- رحمه الله تعالى- فى يوم الثلاثاء، السابع والعشرين من المحرّم، سنة ثمان وأربعين وستمائة.
وسبب ذلك أنه لما ملك شرع يبعد مماليك والده وغلمانه وترابيه، ويقرّب غلمانه الذين وصلوا معه من بلاد الشرق وجعل خادمه الطواشى مسرور أستاد داره، والطّواشى صبيح أمير جاندار - وكان عبدا حبشيا فحلا- وأمر أن يصاغ عصاة من ذهب، وأنعم عليه بالأموال والإقطاعات.
وتوعد جماعة من مماليك والده، وأهانهم. وكان يسميهم بأسمائهم، من غير أن ينعت أحدا منهم.
وكان قد وعد فارس الدين أقطاى بالإمرة، فلم يف له. فاستوحش منه. وكانت والدة خليل- سرّيّة أبيه- قد توجهت إلى القلعة لمّا وصل إلى الشام، فأرسل إليها يتهدّدها، ويطلب منها الأموال والجواهر. فيقال إنها خافته، وكتبت إلى المماليك الصالحية بسببه.
فاجتمع منهم جماعة، واتفقوا على قتله. فلما كان يوم الإثنين- سادس أو سابع عشرين المحرم، جلس السلطان على السّماط، واجتمع الأمراء على العادة. فلما تفرقوا، تقدم أحد مماليك والده، وضربه بالسيف. فالتقى الضربة بيده، فانهزم الضارب فقام السلطان، ودخل إلى برج خشب كان فى خيمته، وقال: من ضربنى؟ قالوا: الحشيشيّة. فقال: لا والله،
إلّا البحريّة ! والله لا أبقيت منهم بقيّة! وقد عرفت الضارب واستدعى الجرائحىّ ليخيط يده فاجتمع الجماعة الذين اتفقوا على قتله، وهجموا عليه، وبأيديهم السيوف مجذوبة. فهرب إلى أعلى البرج، وأغلق بابه. فحرقوه بالنار، فنزل من البرج، وهرب إلى البحر. فأدركوه، وضربوه بالسيوف! فرمى نفسه فى البحر، وهو يستغيث بهم. وتعلق بذيل أقطاى، واستجار به، فما أجاره. وهو يقول: دعونى أعود إلى الحصن، فو الله ما أريد الملك.
وهم لا يلتفتون إلى قوله. وقتلوه فى الماء، فمات قتيلا حريقا غريقا! وكانت مدة سلطنته واحدا وسبعين يوما. وانهزم أصحابه الذين وصلوا صحبته من الشّرق، واختفوا.
وكان الذين باشروا قتل الملك المعظم، من مماليك أبيه، أربعة حكى عن سعد الدين مسعود، بن تاج الدين شيخ الشيوخ، أنه قال:
أخبرنى صادق أن السلطان الملك الصالح، لما أمر الطّواشى محسن الخادم بقتل أخيه الملك العادل- أمره أن يأخذ معه من المماليك من يخنقه، فعرض محسن ذلك على جميع المماليك، فامتنعوا بأسرهم. إلا هؤلاء الأربعة، فإنهم أجابوه وتوجهوا معه، وخنقوا الملك العادل. فسلّطهم الله تعالى على ولده الملك المعظم؟؟؟، فقتلوه
قال أبو المظفّر يوسف سبط ابن الجوزى: وحكى لى العماد بن درباس، قال: رأى جماعة من أصحابنا الملك الصالح نجم الدين فى المنام، وهو يقول:
قتلوه شرّ قتلهصار للعالم مثله
لم يراعوا فيه إلّالا، ولا من كان قبله
ستراهم عن قليللأقلّ الناس أكله
والملك المعظم هذا هو آخر ملوك الدولة الأيوبية، بالديار المصرية، المستقلين بالملك. وملكت بعده شجر الدّر.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع