تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر فتوح قيسارية

نزل السلطان عليها فى يوم الخميس تاسع جمادى الأولى سنة ثلاث وستين وستمائة، وللوقت طاف بها وهاجمها الناس، وألقوا نفوسهم فى خنادقها، وعمدوا إلى سكك الخيل الحديد والشّبح والمقاود فتعلقوا فيها وطلعوا من كل جانب، ونصبت عليها الصناجق، وحرقت أبوابها، فهرب أهلها إلى قلعتها. فنصبت المجانيق على القلعة وهى من أحصن القلاع وأحسنها، وتعرف بالخضراء. وكان الريدا فرانس حمل إليها العمد الصوان وأتقنها، ولم ير فى الساحل أحسن منها عمارة ولا أمنع ولا أرفع، لأن البحر حافّ بها، وجايز فى خنادقها، والنقوب لا تعمل فيها للعمد الصوان المصلبة فى بنائها، حتى إذا علقت لا تقع. فاستمر الزحف عليها ورمى المنجينقات وعملت دبابات وزحافات. وكان السلطان يركب فى بعض الدبابات وتجر من

تحته بالعجل حتى يصل إلى الأسوار ويرى النقوب. وأخذ فى بعض الأيام بيده ترسا وقاتل، وما رجع إلا وفى ترسه عدة سهام. وفى ليلة الخميس منتصف الشهر حضر الفرنج وسلموا القلعة بما فيها، وتسلق المسلمون إليها من الأسوار وحرقوا الأبواب ودخلوا من أعلاها وأسفلها، وأذن بالصبح عليها. وطلع السلطان إلى القلعة وقسم المدينة على أمرائه وخواصه ومماليكه وحلقته، وشرع فى الهدم وأخذ بيده قطاعة وهدم بنفسه ويده.

وقيسارية هذه من المدن القديمة فتحت فى صدر الإسلام فى سنة تسع عشرة للهجرة، على يد معاوية بن أبى سفيان، بعد قتال عظيم، ولم يكن معاوية أمير الجيش، إنما كان من قبل أخيه يزيد بن معاوية.

وفى جماد الأول: جرد السلطان الأمير شهاب الدين القيمرى بجماعة من عسكر الساحل لجهة بيسان، فسير جماعة من العربان والتركمان للإغارة على عكا، فأغاروا ووصلوا إلى أبوابها وغنموا وعادوا.

ذكر التوجه إلى عثليث وأخذ حصن الملوحة وحيفا

قال: ولما قارب السلطان الفراغ من هدم قيسارية سير الأمير شمس

سنقر الألفى الظاهرى، والأمير سيف الدين المستعربى. وجماعة فهدموا قلعة للفرنج عند الملوحة وكانت عاصية فدكوها إلى الأرض.

وفى سادس وعشرين جمادى الأولى: توجه السلطان إلى عثليث جريدة، وسير الأمير شمس الدين سنقر السلاح دار الظاهرى والأمير عز الدين الحموى، والأمير شمس الدين سنقر الألفى الظاهرى إلى حيفا، فساروا إليها ودخلوا قلعتهما، فنجا الفرنج بأنفسهم إلى المراكب بعد أن قتل منهم وأسر. وأحضرت الأسرى والرؤس، وأخربوا المدينة وقلعتها وأحرقوا أبوابها، وذلك جميعه فى يوم واحد.

وأما السلطان فإنه وصل إلى عثليث وأمر بتشعيثها وقطع أشجارها، فقطعت جميعها وخربت أبنيتها فى ذلك النهار، وعاد السلطان إلى قيسارية وكمل هدمها.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.