من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر مسير السلطان إلى عكا
وفى ليلة السبت رابع جمادى الآخرة سنة إحدى وستين: ركب السلطان وجرد من كل عشرة فارسا صحبته، واستناب الأمير شجاع الدين الشبلى أمير مهمندار فى الدهليز، وساق من منزلة الطور نصف الليل. فلما أصبح وقف قريب عكا فى الوادى الذى بقربها، ومنه يشرف عليها. وأمر الناس بلبس السلاح ورتب العساكر وساق وطاف بعكا من جهة البر، وسير جماعة إلى برج
كان قريبا منها فيه جماعة فحاصروه، وللوقت عملت فيه الثقوب إلى قرب وقت المغرب والفرنج ينظرون من أبواب المدينة وتل الفضول. ثم رجع السلطان إلى الدهليز قريب البرج المذكور عند الماء. ولما أصبح ركب وساق إليها، وكان الفرنج قد حفروا خنادق حول تل الفضول وجعلوها معاثر فى الطريق. ووقف الفرنج صفوفا على التل، ورتب السلطان العساكر للقتال بنفسه، وردمت تلك الخنادق بحوافر الخيل وأيدى الغلمان والفقراء المجاهدين. وطلع الناس إلى تل الفضول وانهزم الفرنج إلى المدينة. وحرق الناس ما حول عكا من الأبراج والأسوار وقطعوا الأشجار. وساق العسكر إلى أبواب عكا يقتلون ويأسرون، فقتل جماعة كثيرة من الفرنج فى ساعة واحدة، وأسرت جماعة بخيولهم، وجرح أكابرهم ووقعوا فى الخندق بخيولهم، وهرب من بقى من الفرنج إلى الأبواب.
ثم ساق السلطان وقت العصر إلى البرج الذى كان النقابون علقوه، ووقف حتى رمى وأخرج منه بالأمان أربعة خيالة أخوة، ونيف وثلاثين راجلا [وبات السلطان على ذلك]. وأصبح السلطان وكشف بلاد الفرنج مكانا مكانا، وعبر على على كنيسة الناصرة، ثم رجع وجلس على مسطبة كان قد أمر ببنائها قبالة الطور، وأوقد الشموع وأحضر الصاحب فخر الدين وزير الصحبة، وجماعة
كتاب الدرج، وكتاب الجيش، والسديد المعز مستوفى الصحبة. وجعل الأمير سيف الدين بلبان الزينى أمير علم جالسا عند ديوان الجيش لكناية الأمثلة وتجهيز الطليخاناه، والأتابك بين يدى السلطان. واستدعى من جشاراته خمسمائة فرس برسم الطلبخاناه وخيول الأمراء، وأحضرت الخلع الكثيرة، ولم تزل المثالات والمناشير تكتب والسلطان يعلم، وكتب بين يديه فى تلك الليلة ستة وخمسون منشورا كبارا بخطب وهو يعلم، والنائب يكتب، و [كتاب] ديوان الجيش يثبتون، ومستوفى الصحبة ينزل حتى كملت بين يديه. وأصبح السلطان فخلا بنفسه وجهز الطلبخاناه والصناجق والخيل والخلع للأمراء، وجعل الأمير ناصر الدين القميرى نائب السلطنة بالفتوحات الساحلية، ورحل من الطور وتوجه إلى الكرك وفتحها على ما قدمنا ذكره.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع