من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
وحسبنا الله ونعم الوكيل
ولما صنّف المولى علاء الدين هذه الغزاة، وعرضت على المسامع الشريفة السلطانية شمله الأنعام والتشريف السلطانى، ووفر حظّه من ذلك، وقد سمعت هذه الغزوة من لفظه، ونقلتها من خطه، وقد أتى فيما أورده بالواقعة المشاهدة، ووفّى بقوله: إن الغائب إذا وقف على خبره يكون كمن شاهده.
وقد وقفت أيضا على جملة مما صنّفه الفضلاء فى خبر هذه الغزاة، وهذا الذى أوردته أتمّها وأكملها وأكثرها استيعابا للواقعة من ابتدائها إلى انتهائها.
فلذلك اقتصرت على إيرادها دون ما سواه.
وعمل أيضا الشعراء قصائد كثيرة يطول الشرح بإيرادها، وها نحن نذكر منها قصيدة نظمها القاضى الفاضل جمال الدين أبو بكر عبد القاهر بن الشيخ نجم الدين أبى عبد الله بن محمد بن عبد الواحد بن محمد التبريزى الشافعى قاضى عجلون وخطيبها وهى:
الله أكبر جاء النّصر والظّفروالحمد لله، هذا كنت أنتظر
وأبرز القدر المحتوم بارئهسبحانه بيديه النفع والضرر
وهوّن الصّعب بالفتح المبين لكمربّ يهون عليه المقفل العسر
ولم تزل شرعة الإسلام ظاهرةأجزم به فبهذا صحّح الخبر
أين النجوم وتأثير القران وماتخرّصوا فيه من إفك وما زجروا
قد دبّر الله أمرا غير أمرهموخاب ما زخرفوا فينا وما هجروا
وأقبل العسكر المنصور يقدمهمن الملائك جند ليس تنحصر
وقد أحفّوا به والأرض من زجلترتجّ إن سبّحوا لله أو ذكروا
كنانة الله مصر جندها ثبتتلا ريب فيه وجند الله تنتصر
ثاروا سراعا إلى إدراك ثأرهموهجّروا فى طلاب المجد وابتكروا
وأسهروا أعينا فى الله ما رقدتأكرم بقوم إذا نام الورى سهروا
لله كم ديّنوا فى نصر دينهمواوأنفقوا فى سبيل الله ما ادّخروا
صانوا الجياد وسنّوا كلّ ذى شطبوجدّدت للقسىّ النّبل والوتر
حماهم الله كم حاموا وكم منعواوكم أغاثوا وكم آووا وكم نصروا
وخلّفوا خلفهم لذّات أنفسهموهاجروا ولذيذ العيش قد هجروا
وأوجفوا نفرا بالخيل ملجمةوبالركاب وما ملّوا ولا فتروا
حتى أتوا جلّقا فى يوم ملحمةفيه الأسود أسود الغاب تهتصر
لها السّنابك فى الميدان قد حنيتصوالجا ولها روس العدا أكر
والجوّ أغبر والتاتار زاحفةمثل الجراد على الدنيا قد انتشروا
وددت لو كنت بين الصف منجدلاقد ارتوت من دمى الخطية السّمر
وكوثر الحرب قد راقت مشاربهتحت العجاجة والأبطال تعتكر
والسيف ينشى بديعا من فواترهوالرّمح ينظم والهامات تنتثر
والنّبل يخقط والأقلام كاتبةوالضرب يعرب والأبدان تستطر
حتى إذا عبّ مثل البحر جحفلناومدّ فيضا على أعدائنا جزروا
أصلوهم جاحما يشوى الوجوه وقدحمى الوطيس ونار الحرب تستعر
وأحرقتهم سراعا كلّ صاعقةمن السيوف بنيران لها شرر
لاذوا بشمّ شماريخ الجبال فماحمتهم قلل منها ولا مغر
ومزّقوا شردا بين الزحام فكمشلو تنازع فيه الذئب النّمر
أين المفر وقد حام الحمام بهمهيهات لا ملجأ يرجى ولا وزر
نادى بهم صارخ أغرى الفناء بهمفإن سألت فلا خبر ولا خبر
كم قد سهرتم دجى من خوفهم حذراوالآن ناموا فلا خوف ولا حذر
قولوا لغازان يا ذا ما لعلّك أنتروع من مخلب الرّئبال يا بقر
تلك الجموع التى وافى يدلّ بهاتالله ما بلغوا سؤلا ولا نصروا
جاءوا وقد حفروا من مكرهم قلباألقاهم الله قسرا فى الذى حفروا
وسكّروا فى أراضينا مباذرةوالآن قد حصدوا أضعاف ما بذروا
وافى بهم أجل يمشى على مهلحتّى محاهم فلا عين ولا أثر
لم ينفروا خيفة من كل قسورةوفرّ جمعهم إلّا وهم حمر
أموا الفرات وقد راموا النجاة فكمحلّت بهم عبر فيها وما اعتبروا
مرائر القوم من خوف قد انفطرتوالكلّ من قبل عيد الفطر قد نحروا
جميعهم قتّلوا صبرا وأعظمهمجميعها بضواحى جلّق صبروا
لم يقبروا فى نواويس ولا جدثوإنما فى بطون الوحّش قد قبروا
والطير ترعى نهارا لحمهم فإذاما الليل جنّ ففى أقحافهم تكر
فخذ عزاءك فيهم إنّهم أممهم اللّعاوس إن قلّوا وإن كثروا
كم كابروا الحسّ فى قصد الشّام وكمقد جرّبوا حظّهم بالشام واختبروا
فقاتلوهم جميعا إنّهم تتركم أرسلوا رسلهم تترى وكم مكروا
هبّوا إلى سيس من أحلام رقدتكموسارعوا فى طلاب الثّأر وابتدروا
بكلّ غيران أخذ الرّوح همّتهفى غير نفس المردّى ما له وطر
أيرقد اللّيل فى أمن وفى دعةعن كيد قوم لهم فى شأنكم سهر
إن تتركوهم فإنّ القوم ما تركوايوما عليكم ولا أبقوا ولم يذروا
أما رأيتم وعاينتم وقد فعلوافى الصّالحيّة ما لا تفعل التّتر
اشفوا صدوركم إن كنتم غيرّاعلى نسائكم يا قوم وادّكروا
كم من عجوز ومن شيخ ومكتهلومن فتاة نماها الحسن والخفر
بيضاء خرعوبة بكر محجّبةلا الشمس تنظرها صونا ولا القمر
وذات بعل مخبّاة مخدّرةمن دونها تضرب الأستار قد أسروا
ومطفل أثكلوا وجدا بمخولهاوحامل أجهضت خوفا وقد ذكروا
ومربع أقفروا من بعد ساكنهوعقد شمل نظيم جامع نثروا
وكم أراقوا وكم ساقوا وكم هتكواوكم تملّوا بما نالوا وكم فجروا
وحرّقوا فى نواحيها فواحرباوخرّبوا الشامخ العالى وكم دثروا
وجامع التوبة المحروق مهجتهيشير لا توبة للقوم إن ظفروا
إشارة تترك الأنفاس صاعدةلها الدّموع من الآماق تنحدر
لهم حزازات فى قلبى مخبّاةتكاد من حرّها الأكباد تنفطر
فما يثبّطكم عن أخذ ثأركمهبّوا سراعا وخافوا اللّوم يا غير
وفّوهم الحرب إنصافا ومعدلةوحرّروا نوب الأيّام واعتبروا
لا يظلمن بعضكم بعضا بخردلةولا يدع عنده حقّا ولا يذر
وسارعوا واقتلوهم إنّهم قتلواوبادروا وأسروهم مثلما أسروا
جوسوا ديارهم واسبوا حريمهموأوقروا ضعف ما أوعوا وما وقروا
سجلا بسجل فإنّ الدّهر ذو نوبمن ذا يغالب ما يأتى به القدر
بزّوهم الملك قهرا عن جواركموخرّبوا كلّ ما شادوا وما عمروا
فما يفكر فى أدبار عاقبةويحزم الأمر إلّا من له نظر
ولا يعاف شراب الذّل عن ظمأويومق العزّ إلّا من له خطر
فمهّدوا بالظّبا مجرى سوابقكمما يرفع الذّكر إلا الصّارم الذكر
وخلّدوا فى المعالى ما نعنعنهعنكم وتروى به الأخبار والسّير
فكلّ ذنب جناه الدهر معتمدافى جنب ما أبقت الأيّام مغتفر
يا أهل جلّق أمنا فى مساكنكموعاملوا الله ربّ العرش وانزجروا
صوموا وصلّوا وزكّوا وارحموا وصلواوابغوا النّجاة وحجّوا البيت واعتمروا
ذروا التّكاثر فالدّنيا لمن زويتفى جنب ما وعد الرّحمن تحتقر
فالوقت أقرب والأنفاس سائرةوالعمر منصرم والمرء محتضر
ولا تخافوا من التاتار مجلبةمن بعد ما ارتفع التدليس والغرر
لم يطلبوا جلّقا بغيا بظلمهمإلا وردّوا على الأعقاب وانكسروا
حاشا دمشق من الأسواء تطرقهاأو أن تغيّرها عن وصفها الغير
ملائك الله تحميها وتحرسهاتعاقبا ولها من ربّها خفر
وفى جوار خليل الله ما برحتوحضرة القدس قل لى: كيف تحتقر
بالله عدوى على من رامها بأذىوبالخليفة والسلطان أنتصر
هما ملاذكم فى كلّ نائبةبالرّوح أفديهما والسمع والبصر
إذا تأمّلت فحوى سر حكمهمالم تدر أيّهما فى عدله عمر
ولو رأيتهما يوما لخالك أنموسى بن عمران قد وافاك والخضر
هما رضيعا لبان عفّة وتقىوحسن ذكر شذاه فائح عطر
فذا مليك لكم طابت أرومتهوذا أمير بأمر الله يأتمر
أبو الربيع سليمان الذى شهدتبفضله المستفاض البدو والحضر
وزمزم والصّفا والمأزمان معاوالبيت يعرفه والحجر والحجر
خليفة الله فى الدنيا وطاعتهفرض عليكم وهذا القول مختصر
ما زال مستكفيا بالله معتصمامستنصرا مستعينا وهو منتصر
لولاه فى الأرض قد مادت جوانبهاوما سقاها إذا غيث ولا مطر
خليفة من بنى العباس باقيةبه إلى الله نستسقى فنمتطر
ضاهت يداه عهاد الغيث فانهملتوالغيث مندفق الشؤبوب منهمر
لو مسّ عودا يبيسا بطن راحتهأعاده وهو رطب يانع خضر
ماذا أقول بمدحيه وقد تليتفى مدح آبائه الآيات والسّور
جاءت بنعتهم التوراة معربةومحكم الذّكر والإنجيل والزّبر
به إلى الله ضجّوا فى حوائجكموبعده بالمليك الناصر انتصروا
ملك أعيد به عصر الشّباب لكممسترغدا صافيا واستؤنف العمر
ترى الملوك صفوفا حوله زمرامن فرط هيبته لا يرجع البصر
تذلّ أعناقهم صغرى لطاعتهوليس يعصونه أمرا إذا أمروا
صونوا جيادكم اللّاتى بكم لجبتفى بارق الحرب والرمضاء تستعر
إنّا لنرجوه من بغداد ينهلهابماء دجلة يرويها فتصطدر
ويجمع الشمل فى دار السّلام بمنيودّها ويؤدون الذى نذروا
يؤمّها وإمام المسلمين معاثقوا بقولى فهذا منه منتظر
فالشام وافاه مع بغداد فى قرنومصر فى ملكه والبرّ والبحر
والعرب والعجم فى ميمون قبضتهومن سطى بأسه قد حارت التتر
تنشّروا فى الفلا سود الوجوه وقدطوى بأبيضه البتّار ما نشروا
فدام للدّين والدنيا يسوسهمافكنّ فيه له حزر ومستتر
وعمره الجمّ أعياد مجدّدةوأشهر بعزيز النصر تشتهر
على الدّوام ولا زالت مدائحهتفشى وغرّ القوافى فيه تبتكر
وافاكم بعزيز النّصر فى نفروقاهم الله. ما أو فاهم نفر
قد أيقنوا أنهم جادوا بأنفسهممن أجل ذا ظهر الإسلام مذ ظهروا
كم فرّجوا مأزقا ضنكا بمعتركوكابدوا فى مجال الموت واصطبروا
فبيّض الله منهم أوجها كرمتفإنّهم بالأيادى البيض قد غمروا
وحاطهم أين ما كانوا ولا برحوافى ذمّة الله إن غابوا وإن حضروا
هذا ما كان من خبر هذه الغزوة المباركة ونبذة مما قيل فيها، فلنرجع إلى سياق حوادث سنة اثنتين وما وقع فيها خلاف ما قدمناه. وفى سنة اثنتين وسبعمائة صام الحنابلة من أول شهر رمضان على عادتهم فى الاحتياط، واستكمل الشافعية والمالكية عدّة شعبان، فلما مضى ثلاثون يوما من صوم الحنابلة لم ير الهلال فأفطروا تكملة للعدّة من يوم صيامهم، وأقاموا الخطبة، وصلّوا صلاة العيد، وصام من عداهم من الشافعية وغيرهم ذلك اليوم الذى عيّد فيه الحنابلة وعيّدوا فى اليوم الثانى. وأقاموا الخطبة، فحصل الإنكار الشديد من نائب السّلطنة فى الشام على متوّلّى نابلس، وهو يومئذ:
بدر الدين الصّوابى؛ كونه مكّن من ذلك ولم يجمع الناس على يوم واحد، ولم يسمع بمثل هذه الوقائع فى بلد واحد. وأما البلاد المتباعدة فقد تختلف مطالعها.
ومن غريب ما وقع فى شهر رمضان ما حكاه ناصر الدين محمد بن عليا بن محمود ابن سليمة الأغرناطى: أنّ أهل أغرناطة صاموا فى بعض السنين
شهر رمضان ستة وعشرين يوما. وذلك أنّ الغيوم تراكمت عندهم عدّة شهور قبل شهر رمضان. فاستكملوا عدتها وصاموا شهر رمضان بعد استكمال شعبان وما قبله. ومن عادة أغرناطة أنّ أهلها يحتفلون فى ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان، يوقدون المآذن كما تفعل أهل مصر والشام فى نصف شعبان، فلما صعدوا ليوقدوا المآذن- على عادتهم- أقلعت الغيوم فرأوا الهلال وهو هلال شوال؛ فأفطر الناس وعيّدوا، وقضوا صيام أربعة أيام، وهذا أيضا غريب.
ومن غريب الاتفاق فى رؤية الهلال أن الناس بدمشق طلعوا إلى المئذنة لارتقاب هلال رمضان، والحاكم يومئذ بالشام قاضى القضاة شهاب الدين الحموى، وكانت الغيوم قد عمّت السماء، فطلع الناس للعادة مع تحقيقهم أنهم لا يرون شيئا، فاتفق عند ارتقابهم مطلع الهلال انفراج دائرة من الغيم ظهر من تحتها الهلال، فلما عاينه الناس التأم الغيم لوقته، وصام الناس عن رؤية ويقين، وما علمت كان هذا فى أى سنة وإنما نقله لى ثقة أرجع إلى نقله.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع