تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر حدوث الزلزلة

وفى يوم الخميس الثالث والعشرين من ذى الحجة سنة اثنتين وسبعمائة عند طلوع الشمس، حدثت زلزلة عظيمة بالقاهرة ومصر وأعمال الديار المصرية كلها، ودمشق والشام أجمع والسّواحل والجبال الشامية، وكان معظمها بالديار المصرية، فهدمت منائر كثيرة، منها: منائر الجامع الحاكمى وشعّثته، وهدمت بعض جدرانه، وتشقّقت مئذنة المدرسة المنصورية على عظمها، وإتقان بنائها، حتى دعت الضرورة إلى هدمها وإعادتها، وهدمت منارة الجامع الظافرى بالقاهرة ومنارة الجامع الصالحى وغير ذلك، وشعثت جدر جامع عمرو بن العاص بمصر، وانهدم بسببها كثير من العمائر، وأقامت مقدار مضى خمس درج، وكانت مزعجة، وأثرّت بالإسكندرية أثرا عظيما هدمت أكثر المنارات وبعض الأسواق وغرق جماعة كثيرة عند مده وعوده وعدم قماش التجار وجزر

البحر الملح حال الزلزلة، وانطرد عن مكانه. ثم مدّ حتى دخل الصناعة، ووصل إلى الأسوار الذى كان عند القصارين بجملته، وأثرّت هذه الزلزلة بصفّد أثرا عظيما، وسقط جانب من قلعتها، وانطرد البحر بعكّا حتى انكشف ما بين عكّا وبرج الذّبّان الذى بالبحر ومسافته بعيدة، وظهر أنه كان بساحلها أشياء مما ألقاه أهل عكّا فى البحر لما حاصرها المسلمون، فتبادر من كان هناك بالنزول لأخذ ما ظهر لهم، فجاء الماء أمثال الجبال فغرقوا، ووصل فى مدّه إلى قرب تل الفضول، وخربت دمنهور الوحش- وهذه مدينة أعمال البحيرة- خرابا شنيعا؛ وأبيارا، وغير ذلك من البلاد، ولعظم هذه الزلزلة بالديار المصرية أرّخ كثير من العوامّ بها فهم يذكرونها إلى وقتنا هذا.

ولمّا أثّرت هذه الزلزلة بالجوامع ما أثّرت، اهتمّ الأمراء بالديار المصرية بها، فعمرّ الأمير سيف الدين سلار نائب السلطنة ما تشعّث بجامع عمرو بن العاص بمصر، وعمّر ركن الدين بيبرس الجاشنكير أستاذ الدار، جامع الحاكم بالقاهرة، وجدد مآذنه وسقوفه، وبيّضه وبلّطه، وأصلحه إصلاحا جيّدا حتى عاد أحسن مما كان، ووقف عليه أوقافا متوفرة، ورتّب فيه من الدروس ووجوه البرّ والخير ما نذكره إن شاء الله تعالى فى سنة ثلاث وسبعمائة.

وأعيدت المئذنة المنصورية من مال الوقف ليصرفه، وصرف فى عمارتها فى نصفها الذى هدم وهو من سطح القبّة إلى انتهائها ما عدا ما يقارب تسعين ألف درهم، خارجا عمّا استعمل من أحجارها المنقوضة منها، وعن تفاوت أجر الأسرى وما حمل على ذوات مرمات الوقف.

وندب لعمارتها الأمير سيف الدين كهرداش الناصرى، وعادت أحسن ما كانت، وعمّر ما تشعّث من الجامع الأمير شمس الدين سنقر الأعسر، وعمّر الجامع الصّالحى الذى هو خارج باب زويلة، والجامع الظافرى من الأبواب السلطانية، وعمرت سائر الأماكن والمساجد التى تهدمت بالقاهرة ومصر حتى عادت أحسن مما كانت والحمد لله وحده.

وفى هذه السنة توفّى فارس الدين ألبكى الساقى المنصورى، نائب السّلطنة بحمص، فى يوم الثلاثاء ثامن ذى القعدة بها، وفوضّت نيابة السّلطنة بحمص بعده إلى الأمير عز الدين أيبك الحموى الظاهرى نقل إليها من صرخد.

وتوفّى الأمير سيف الدين سنقر العين تابى أحد الأمراء الأكابر مقدمى الألوف بدمشق فى ليلة الجمعة ثامن عشر ذى القعدة، ودفق بسفح قاسيون ﵀، وتوفّى بدمشق الشيخ الفاضل كمال الدين أبو العباس أحمد بن أبى الفتح محمود الشّيبانى المعروف بابن العطار، أحد أعيان كتّاب الدّرج بدمشق، وكانت وفاته فى ليلة الأربعاء الثالث والعشرين من ذى القعدة، وصلّى عليه بالجامع، الرابعة من النهار، ودفن بتربته بقاسيون، وكان رحمه الله تعالى فاضلا ديّنا خيّرا، سمع الكثير من الحديث النبوى، وله نظم ونثر.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.