من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر واقعة الشيخ نور الدين على البكرى [٤] . وغضب السلطان عليه وخلاصه
كان سبب ذلك أن الشيخ نور الدين المذكور انتصب بمصر للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، حسبة من غير ولاية سلطانية ولا إذن حكمى، ورأى أن ذلك قد تعيّن عليه، وهو من أعيان الفضلاء وأكابر المفيدين، واجتمع معه جماعة من البكريّين وغيرهم يأتمرون بأمره، فاتصل به فى شهر المحرم من السنة أن النصارى بمصر اجتمعوا فى كنيسة من كنائسهم لعيد لهم، وأنهم استعاروا من الجامع العمرى بمصر قناديل وبصّاقات وأطباق وأشعلوها فى
الكنيسة، فما صبر على ذلك، وجاء إلى الكنيسة ودخلها بمن معه وأخذ ما استعاروه من قناديل الجامع وما عونه، وأعاد ذلك إلى الجامع، وأحضر مباشر الجامع وأنكر عليه إقدامه على عارية ذلك للنصارى، فاعتذر أن الخطيب هو الذى أمر بذلك، فطلبه الشيخ وأنكر عليه، وكلمّه بكلام غليظ فانضم للخطيب القاضى فخر الدين ناظر الجيش، وأنهى إلى السلطان ما فعل الشيخ بالخطيب، وعرّفه أن الخطيب رجل صالح من بيت كبير، وأن مثله لا يعامل بمثل هذه المعاملة، وأنهى إلى السلطان أن الشيخ نور الدين فيه جرأة عظيمة واطّراح للدولة وغضّ منها، إلى غير ذلك من الإغراء، وطلع الشيخ نور الدين إلى قلعة الجبل فى يوم الجمعة الرابع والعشرين من شهر محرم، واجتمع بنائب السلطنة وبات عنده ليلة السبت، واجتمع أيضا بالأمير ركن الدين بيبرس الأحمدى أمير جاندار وقصد الاجتماع بالسلطان [وكان] طلب فى بكرة نهار الخميس الثالث والعشرين من محرم إلى مجلس السلطان، وأحضر قضاة القضاة والعلماء، فحصل للشيخ قوّة نفس، وكلمّ السلطان بما لا يليق أن يكلّم به الملوك عرفا، فكان مما قال له: أنت ولّيت القبط والمسالمة وحكّمتهم فى دولتك وأموال المسلمين، وأضعت أموال بيت المال فى العمائر والإطلاقات التى لا تجوز، إلى غير ذلك من الكلام الخشن الذى لا تصبر الملوك على مثله، فغضب السلطان لذلك غضبا شديدا، وانزعج له انزعاجا عظيما، وظهر منه اضطراب وألفاظ دلت على أنه نقل إليه عن الشيخ ما أوجب انحماله، فكان فيما قال السلطان- فيما بلغنى- إما أنا وإما هذا؟ وقال أما أنا ما أخذت الملك بخلافة وإنما أخذته بسيفى إلى غير ذلك من الكلام الدال على شدة الحرج، وقال السلطان للقضاة، ما الذى يلزم هذا على تجرئه على ما قال؟
فقال قاضى القضاة زين الدين المالكى: هذا لا يلزمه عندى شىء. وقال قاضى القضاة بدر الدين الشافعى يلزمه التعزير بحسب رأى الإمام. فقال الشيخ لقاضى القضاة بدر الدين كيف تقول هذا القول؟ وقد صحّ
عن رسول الله- ﷺ أنه قال: «أفضل الجهاد كلمة صدق عند سلطان جائر»
ورفع بها صوته، وأشار بيده إلى جهة السلطان،
بها صوته، وأشار بيده إلى جهة السلطان، فعند ذلك اشتد غضب السلطان، ورسم بقطع لسانه، وما تجاسر أحد أن يشفع فيه إلا الأمير سيف الدين طوغاى، فإنه بالغ فى أمره حتى نزل وانفصل المجلس، ورسم عليه، ثم طلب مرّة ثانية قبل العصر من اليوم إلى مجلس السلطان، فكان المجلس فيما بلغنى أشد من الأول، حتى همّ السلطان بقتله فتقدم إليه الأمير سيف الدين طغاى أيضا وقال: والله لأقتل السلطان هذا أبدا ويكون الصديّق جدّه خصم السلطان عند الله يوم القيامة. فاستكان السلطان لمّا سمع هذا الكلام وأطلقه.
وهذا يدل على حلم السلطان وخيره، ولولا ذلك لما أبقاه لما خاطبه به. وكان القاضى كريم الدين وكيل الخاص الشريف أيضا قد اعتنى به عند السلطان موافقة للأمير سيف الدين طغاى، وخرج هو والشيخ من مجلس السلطان بعد العصر من اليوم المذكور، فشرع بعض الجماعة يقول للشيخ وهو إلى جانب القاضى كريم الدين: ما فعله القاضى كريم الدين فى أمره من الاعتناء به وتسكين حرج السلطان فقال: نعم هو كان من خيار الظلمة، وكريم الدين يسمع ذلك فما أجابه عنه بشىء، واجتمع تحت القلعة خلق كثير من العوام حتى امتلأت بهم تلك الجهة، وهم يظهرون الفرح بسلامة الشيخ نور الدين، فأشار كريم الدين ألا يتوجّه الشيخ إلى مصر بهذا الجمع خشية أن يشاهد السلطان ذلك فيخرج بسببه. فصرفهم وتوجّه من جهة أخرى، وانقطع بمنزله، ولم ينقطع الناس وبعض الأمراء عن التردد إليه وسلامته من هذه الواقعة دلّت على أن قيامه كان لله تعالى.
وفيها فى صفر أمر السلطان بالقبض على الأمير سيف الدين بلبان الشمسى أمير الحاج واعتقاله، لسوء اعتماده على الحجّاج وكان ساق سوقا مزعجا، ووصل إلى القاهرة بالمحمل قبل الوقت المعتاد بأيام فهلك كثير من المشاة بسبب ذلك فرسم السلطان أن يتوجه جماعة على الهجن بالماء والزاد بسبب من انقطع- والله أعلم.
وفى هذه السنة أمر السطان بمسامحة البلاد الشامية بحملة كثيرة من البواقى لاستقبال سنة ثمان وتسعين وستمائة وإلى آخر ثلاث عشرة وسبعمائة وقرىء كتاب المسامحة بجامع دمشق فى يوم الجمعة عاشر المحرم بحضور نائب السلطنة بدمشق، ثم قرىء فى يوم الجمعة التى تليها بالجامع بدمشق مثال بإطلاق ضمان السجون وأن لا يؤخذ ممن يسجن أكثر من نصف درهم يكون أجرة السجانين، وكان قبل ذلك يؤخذ من المسجون ستة دراهم فما دونها، وتضمن المثال أيضا إعفاء الفلاحين من السّخر ومقرّر القصب، وكان جملة، فتضاعفت الأدعية بسبب ذلك للسلطان، ثم قرىء مثال ثالث فى مستهل صفر بإطلاق ضمان القّواسين ونقابة الشّد والولاية، وفى شهر ربيع الأول وصلت الأخبار بإغارة طائفة من العسكر الحلبى على دنيسر، وقتل جماعة بها وأسر جماعة، ووصل بعض الأسرى إلى دمشق فى شهر ربيع الآخر.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع