من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر خبر النيل المبارك فى هذه السنة
وإنما خصصنا هذه السنة بذكره لأنه وقع فيه من الغرائب فى أمره ما لم تجر بمثله عادة، وذلك أن النيل المبارك وفّى بمقياس مصر فى يوم السبت الثالث عشر من جمادى الأولى الموافق التاسع عشرين أبيب ستّة عشر ذراعا، وحصل التخليق وكسر سدّ الخليج فى هذا اليوم، وما وقع مثل ذلك فى هذا العصر؛ فإن العادة فى غالب السنين أن يكون الوفاء فى الآخر من مسرى وفى الأوسط منه، وربما تأخّر عن ذلك فيكون فى أيام النسىء وأوائل توت، ثم زاد بعد ذلك وأخذ فى النقص والزيادة، فكانت زيادته إلى آخر مسرى ذراعا واحدا، ثم وقف مدة وزاد أخرى، فبلغت زيادته إلى آخر يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من جمادى الآخرة الموافق لتاسع توت سبعة عشر ذراعا وتسع أصابع، وزاد فى يوم الأربعاء عاشر توت خمس أصابع، وفى بكرة الخميس الذى يليه تسع أصابع، وفى يوم الجمعة ثانى عشر توت خمس أصابع، وفى
يوم السبت والأحد أربع أصابع فى كل يوم أصبعين؛ فكملت زيادته بمقياس مصر ثمانية عشر ذراعا وست أصابع، ولما غلق الذراع الثامن عشر غرّق كثيرا من الأدر المجاورة له بساحل مصر والروضة، وغرّق الأقصاب والبساتين، وقطع الطريق فيما بين القاهرة ومصر فى عدة مواضع، فأمر السلطان بقطع الخلجان التى عادتها تكسر فى عيد الصّليب، مثل بحر أبى الرّجا والكينونة وغيرها، وذلك قبل الوقت المعتاد، والعادة جارية أن هذه الخلجان إذا قطعت ينقص بحر النيل بسبب قطعها نحو ثلثى ذراع؛ لما ينصب فيها منه، فلم يضطرب النيل لقطعها ولا توقّف، بل زاد ما ذكرناه، ولعله لو لم تقطع هذه الخلجان العظيمة كان بلغ فى الزيادة إلى أكثر مما انتهى إليه، وعم فساده، ثم ثبت النيل بعد ذلك على البلاد ثبوتا حسنا إلى حد الاستغناء عنه، فأخذ فى النقص، فكان ينقص قليلا، ثم يثبت مدة، ثم ينقص، حتى أخذت الأراضى حاجتها من الرى وهبط والحمد لله.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع