من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
وتوفى الشيخ الصالح العابد العارف العلامة
القدوة الورع الزاهد أبو الفتح نصر بن سليمان بن عمر المنيخى تغمده الله تعالى برحمته ورضوانه بزاويته المشهورة، ومولده تخمينا فى سنة ثمان وثلاثين وستمائة وكان- قدس الله روحه- عالما زاهد عابدا، مخشوشنا فى مأكله ومشربه وملبسه سمع الحديث بحلب على أبى إسحاق إبراهيم بن خليل
ابن عبد الله الدمشقى وقدم إلى الديار المصرية بعد الستين، وقرأ القرآن على الشيخ كمال الدين بن على بن شجاع وصدره فى مجلسه ثم قرأ على الشيخ جمال الدين بن فارس، والشيخ على الدهان وأجازوه بذلك وأتقن القراءات ووجوهها وعللها وسمع صحيح البخارى على الشيخ كمال الدين الهاشمى وصحيح مسلم على ابن البرهان وكتاب السنن لأبى داود على أبى الفضل محمد ابن محمد البكرى، والسنن للنسائى على أصحاب أبى بكر بن باقا، وسمع علي النجيب الحرانى، وعبد الهادى القيسى وابن عملاق وغيرهم، وأجاز له الرشيد العطار وغيره وحدث بذلك مرار وقرأ عليه القرآن جماعة فأجاز منهم الشيخ أبا عبد الله محمد بن حسن الضرير دون غيره لإتقانه وكان يقول قرأ على خلق من أهل البلد وما جازلى أن أجيز غير أبى عبد الله وقرأ الشيخ ﵀ النحو والتصريف على الشيخ بهاء الدين بن النحاس واشتغل على مذهب الإمام أبى حنيفة واشتغل بأصول الفقه على أبى عبد الله محمد بن الحرانى، وكتب الحديث هذا كله مع الزهد والانقطاع والعبادة وأقبل عليه ملوك عصره وأكابر أمراء الدول والأعيان وترددوا إليه فى الدولة الظاهرية وما بعدها وكان أكثرهم به خصوصية واجتماعا وترددا إليه وامتثالا لأمره ورجوعا إلى إشاراته الأمير ركن الدين بيبرس العثمانى المنصورى الجاشنكير، وهو الذى ملك الديار المصرية ولقب فى سلطنته بالملك المظفر فكان يقضى عنده حوائج الناس، ويصل أرزاقهم واستماله الشيخ إلى الخير وحسن فعله فوقف بأمره وإشارته ما قدمنا ذكره بجامع الحاكم والخانقاه والرباط وغير ذلك من وجوه البر، وكان الشيخ يكره الاجتماع بالأكابر وتلجئه الضرورة إلى ذلك لما يحصل بسبب اجتماعهم به من النفع المتعدى إلى غيره، ومما يدل على كراهته لذلك أنه كان ينقطع عن الاجتماع بالناس ومشافهتهم أربعة أشهر فى السنة وهى رجب وشعبان ورمضان وذو الحجة ثم انقطع ستة أشهر من السنة ثم جعل انقطاعه فى آخر عمره ثمانية أشهر وفى مدة انقطاعه لا يشافه بكلامه غير خادمه وابن أخته الشيخ قطب الدين عبد الكريم وأخبرنى المشار إليه أن الشيخ ما زال يسأل الله تعالى أن يخفف عنه تردد الناس إليه فاستجاب الله تعالى له وانقطع الناس عنه قبل وفاته مدة تفرغ فيها لعبادة ربه، وكنت اجتمع به فى بعض الأحيان
بزاويته وأخلو به فى خلوته فيتحدث معى ويدعو لى وتظهر لى منه دلائل المحبة والميل إلى، وكنت أقصد رؤيته فى زمن انقطاعه عن الاجتماع بالناس فأحضر إلى الجامع الحاكمى فى يوم الجمعة قبل حضوره فإذا جاء قمت إليه وتلقيته وسلمت عليه وصافحته فيرد على السلام الشرعى لا يزيدنى ولا غيرى عن ذلك، وأما فى غير زمن انقطاعه فيسألنى عن حالى وما تجددلى، وأخبرنى الشيخ قطب الدين ابن أخيه نفع الله به أن الشيخ سأله فى الساعة الثالثة من يوم وفاته هل قارب أذان العصر؟ قال فقلت له: يا سيدى بقى للعصر كثير، ثم ذكر ذلك فى الخامسة، ثم أعاده وقت أذان الظهر قال: ورأيته يفرح بأذآن العصر فلما أذن المؤذن بالعصر خرجت روحه الطاهرة المطمئنة ورجعت إلى ربها راضية مرضية- قدس الله تعالى روحه ونفعنا ببركاته.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع