من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر متجدّدات كانت بدمشق فى سنة تسع وعشرين وسبعمائة
فى هذه السنة فى أوائل شهر ربيع الأول تجرّأ رجل يقال له محيى الدين ابن الحكم الكاتب جرأة عظيمة لم يسبق إلى مثلها فيما بلغنا، وذلك أنه اتفق مع أربعة من الرسل المتصرّفين بباب الحكم العزيز، وجلس فى قاعة تعرف بدرب البلسانى بخطّ عتبة الكتاب بدمشق، وسمى نفسه عماد الدين، وأحضر نصرانيا له مال، وأوهمه هو والرسل أنه نائب قاضى القضاة المالكى بدمشق، وقال للنصرانى: قد ثبت عندى أنك قلت لرجل مسلم أنك أخى وأنا أخوك ولا فرق بينى وبينك، وبمقتضى هذا القول تكون مسلما، وتهدّده بالقتل، وتحدث الرسل مع النصرانى، وأشاروا عليه أن يعطيه مالا، فتقررت الحال على ألف درهم ومائتى درهم عجّل النصرانى منها ستمائة درهم، وأحضر شهودا إلى باب الدار، وكتب عليه حجة بستمائة درهم، ورفع عنه الترسيم، فلما أطلق النصرانى توجه إلى القاضى شمس الدين ناظر النظار، وأنهى له الصورة، وأحضر نائب قاضى القضاة المالكى، فلما رآه النصرانى قال: ما هو هذا، ثم أحضر عماد الدين نائب قاضى القضاة الحنفى، فقال/ كذلك، فسير جماعة إلى الدار وهجمت فمسك، وأحضر إليه والدراهم والحجة معه، فاستنقذ ذلك منه وأطلقه شمس الدين الناظر، فلما اتصل الخبر بمتولى دمشق اعتقله، وطالع نائب السلطنة بأمره، فرسم بضربه وضرب الرسل الذين اتفقوا معه على ذلك، وشقّ منا خيرهم، وإشهارهم على الحمر، ففعل بهم ذلك فى يوم الأحد سادس شهر ربيع الأول، واعتقلوا.
وفيها فى يوم الاثنين ثالث جمادى الأولى أنعم على الأمير علاء الدين ولد قاضى القضاة نجم الدين أحمد بن صصرى بإمرة عشرة طواشية بدمشق، ولبس التشريف فى اليوم المذكور.
وفيها فى شهر ربيع الأول دخل نائب السلطنة بدمشق الأمير سيف الدين تنكز إلى المدرسة القليجيّة، وهى بجوار داره التى جدد عمارتها المعروفة بدار الفلوس فنظر إلى بيوت المدرسة، فرأى على بعضها أقفال حديد مغلقة علي الأبواب، فسأل عن البيوت وهل هى للفقهاء؟ فقال قيم المدرسة: هذا البيت لفخر الدين بن شهاب الدين الحنفى، وهذه البيوت لجماعة آخرين- سماهم- لهم فيها قماش وغيره، فطلب فخر الدين المذكور، وأنكر عليه كونه ضيق على الفقهاء فى مساكنهم مع استغنائه عنها، فقال: ما انفردت بهذا، وشمس الدين بن حميد- رفيقى فى ديوان الإنشاء- له بيت بالمدرسة العزيزية وجماعة غيره، فرسم نائب السلطنة لشادّ الأوقاف بطلب كل من أشغل بيتا من بيوت المدارس وليس هو من الفقهاء، وتقويم أجرة البيت، وإلزامه بالقيام بالأجرة منذ أشغله وإلى ذلك اليوم، فأحضر شهود القيمة وقوّموا أجرة البيوت فأخذ من شمس الدين بن حميد ستمائة درهم، ومن شهاب الدين أحمد بن المهذّب ستمائة درهم وثلاثة عشر درهما، ومن أولاد عفيف الدين الحنفى أربعمائة درهم، وهؤلاء من الذين كان لهم بيوت بالمدرسة العزيزية، وأخذ من غيرهم.
وفيها فى شهر رجب خلع ما كان بجامع دمشق عند قبر يحيى بن زكريا ﵇ من الخشب بين العامودين وبين الحجارة، ورخّم البناء المجدّد من جهة القبلة، والتأم، وكتب بالرخام الأبيض بالرخام الأسود قوله تعالى:
يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا
وفيها فى أول شهر رمضان رسم نائب السلطنة بدمشق أن يوسّع طريقا سويقة مسجد القصب خارج باب سلامة، وأن يوسّع من كل ناحية قدر ذراعين،
فهدم فى ثالث شهر رمضان ثم عمر فى مدة شهر، إلى أن انتهى العمل إلى خان دار الطّعم والمدرسة الزّنجيلية، ثم رسم فى أول شوال بهدم مساطب حوانيت القوّاسين لتوسيع الطريق، فهدمت من الجانبين، واستقرت الحوانيت بغير مساطب، وجلس أهلها داخل الدكاكين، فاتسع ذلك نحو أربعة أذرع، ثم رسم بعمارة رصفان الكعبين وباب البريد، فحصل الرّفق بذلك للمارّة، ثم رسم بهدم جميع المساطب وبعض الحوانيت التى هى خارج باب الجابية إلى قرب باب النصر لتوسعة الطريق، وهدمت فى يوم الثلاثاء رابع عشرين ذى القعدة، واستمر العمل فيها؛ فمنها ما أزيل بجملته، ومنها ما أزيل نصفه وبقى النصف، وبقى ذرع الطريق من عشرين ذراعا إلى عشرة أذرع.
وفيها فى يوم الاثنين خامس ذى الحجة رسم نائب السلطنة بدمشق بقتل الكلاب بدمشق وظواهرها، فقتل منها من بكرة النهار إلى بعد العصر [أكثر من خمسة آلاف] ثم رسم إلى متولى دمشق أن يبنى مقبرة للكلاب فى آخر الخندق ما بين الباب الصغير وباب كيسان، يفصل بينها بحائط، يكون أحد الموضعين للكلاب الذكور والآخر للإناث، فحصل الشروع فى البناء فى يوم السبت فى العشرين من ذى الحجة إلى يوم الأحد ثامن عشرين للشهر، وجمعت الكلاب، وأنزلت فى المكانين، فصار الذكور في خمسة ألايات فى جهة، ورسم للنادشتية بإلقاء الجيف بعد سلخها فيها.
وفى هذه السنة فى يوم الخميس رابع عشر المحرم توفى الشيخ الإمام العالم المفتى نجم الدين [أبو] عبد الله [محمد] بن الشيخ شمس الدين عقيل بن الخطيب جلال الدين [أبى] الحسن [بن عقيل] البالسى، نائب الحكم العزيز بمصر المحروسة، وكانت وفاته بالمدرسة الطّيبرسية بمصر
المحروسة وكان آخر ما تكلم به- فيما بلغنى- «أنا عند ربى يطعمنى ويسقينى»، وكان رحمه الله تعالى من العلماء العاملين، ولم يخلّف دينارا ولا درهما، ومولده فى سنة ستين وستمائة.
وفيها فى النصف من ليلة الخميس سابع المحرم توفى الأمير الكبير شرف الدين حسين بن الأمير سيف الدين أبى بكر بن إسماعيل بن جندربك الرومى، وهو من الأمراء/ مقدمى الألوف بالأبواب السلطانية، وكانت وفاته بالقاهرة بالدار المعروفة بشاطىء، ودفن فى يوم الخميس بتربته الملاصقة لجامعه بظاهر القاهرة بالحكر وهذا الأمير قدم من بلاد الروم فى الدولة الظاهرية الرّكّنية فى سنة خمس وسبعين وستمائة، ولما مات أنعم السلطان على ابن أخيه بإمرة طبلخاناة بصفد المحروسة، وأنعم بإقطاعه وتقدمته على الأمير سيف الدين أقبغا عبد الواحد رأس نوبة الجمداريّة، وأنعم بإقطاع آقبغا على الأمير سيف الدين سوسون أخى الأمير سيف الدين قوصون.
وفيها فى الساعة الحادية عشر من يوم الثلاثاء العشرين من شهر ربيع الآخر توفى الأمير الكبير سيف الدين بكتمر الحسامى- الحاجب كان- ﵀ بداره التى أكمل عمارتها خارج باب النصر المعروفة قبله بدار نهرداس، ودفن بتربته التى أنشأها الملاصقة لداره المذكورة فى الساعة الأولى من يوم الأربعاء وكان قبل ذلك قد حصل له نهج إذا مشى فى الخدمة السلطانية، فجمع جماعة من الأطباء لذلك وقالوا: إنه حدث من ريح مجاور للكبد، وعولج منه وبرأ، ثم عاوده، وحصل له دوخة فى دماغه، فلما كان فى يوم الخميس ثامن الشهر طلع إلى الخدمة السلطانية، فلما خرج من مجلس السلطان وهو يمشى فى قلعة الجبل قريبا من دار الأمير سيف الدين طرجى- والتى كانت دار عدل- حصلت له الدوخة، فسقط منها على الأرض، فاحتمل وأجلس على
مسطبة ظاهر الدار المذكورة حتى سكن ما حصل له، وقام ومشى إلى ظاهر القلعة، وركب وعاد إلى داره، وعولج، ثم ركب إلى الخدمة السلطانية على عادته، وتوجه فى خدمة السلطان إلى جهة القليوبية فى يوم الاثنين ثانى عشر الشهر، وعاد فى الخدمة فى يوم الأربعاء رابع عشره، فلما كان فى يوم الجمعة سادس عشر الشهر المذكور واجتمعت به بعد صلاة العصر، وقد صلى وتوجه ليعود الأمير علاء الدين الجمالى لمرض حصل له، وعاد إلى داره فرأيته وهو يشكو من النّهج، واجتمع بعض الأطباء عنده، وشكا ذلك لهم، فهوّنوه عليه، وقالوا: إنه يزول.
وكان قبل ذلك قد نقبت خزانته التى بداره من ظاهرها، وسرق منها ما يزيد على تسعين ألف درهم، وظهر ذلك فى يوم السبت تاسع المحرم، فانزعج لذلك، واتهم جماعة بالمال، فطلبوا وعاقبهم متولى القاهرة، فأقر بعضهم على بعض مماليكه أنه عاملهم على ذلك، فحصل له من ذلك نكد كثير، فاجتمعت به فى يوم الجمعة المذكور بهذا السبب، وكان لى عليه دالّة كثيرة، فتحدثت معه فيما حدث له، وهوّنته عليه، وذكّرته بما ضاع له من الأموال الكثيرة قبل ذلك عند اعتقاله، وماله من البواقى الكثيرة عند من داينه ومات أو عجز عن القيام به، ولم أزل به إلى أن هوّنت له ما عدم له، وكان السلطان قد رسم له أن يعاقب خزنداره بخشى الذى أقر عليه الذين اتهموا وعوقبوا فسألته عنه، وقلت له: اتّهمه بالمواطأة على مالك، وتتهم غيره من مماليكه، وقال: لا والله هم برايا من مالى، ولا أتهمهم بخيانة ولا مواطأة، قلت له: فإذن لا يجوز لك أن تعاقبهم، وإن فعلت أثمت، ولم أزل به إلى أن أشهدنى على نفسه أنه ترك الحديث عن المال الذى عدم له، وأنه لا يطالب به، وأنه إن وجد يكون صدقة للفقراء أو لبيت المال، وقررت معه أن يسأل السلطان
أن يفرج عن المعتقلين بسبب ماله، وفارقته على ذلك بعد أن توثقت منه أن يفعل ففعل، وأفرج عنهم فى يوم السبت فى سابع عشر الشهر، فلما كان فى يوم الاثنين تاسع عشر الشهر ركب إلى الخدمة السلطانية على عادته، فلما انتهى إلى سوق الخيل قال له الحاجب: رسم السلطان ألا تتكلّف الطلوع إلى الخدمة حتى تستقل من الضعف، فعاد إلى داره، وجلس، ومدّ سماطه على عادته، وأكل هو مما أشار به الأطباء، ثم اشتد به المرض فى ليلة الثلاثاء، وتزايد فى يوم الثلاثاء فمات رحمه الله تعالى، وكان من أجود الناس وأحسنهم لقاء لأصحابه ومعارفه، وتفقدا لأحوالهم، وسؤالا عنهم إذا حضروا إليه، وأكثرهم بذلا بجاهه، لا يبخل به على أحد ممن يقصده، سواء كان قديم الصحبة أو حديثها، لكنه يرعى لمن يقصده حق قصده، وإذا طالت غيبة أحد أصحابه عنه ثم جاء إليه لا يجد مودته قد تغيرت عليه عما يعهد، بل يسأله عن حاله، ويظهر له البشاشة والبشر، وكان شجاعا حسن الرأى، رحمه الله تعالى.
وكان هذا الأمير المذكور من جملة مماليك الأمير حسام الدين طرنطاى المنصورى- نائب السلطنة كان- أخبرنى عن نفسه أنه كان فى صغره فى جملة مماليك السلطان حسام الدين كنجيز، وابن السلطان ركن الدين بلج أرسلان السّلجوقى صاحب الروم، فلما عبر السلطان الملك الظاهر إلى الروم، ودخل قيسارية كما ذكرنا فى سابع عشر ذى القعدة سنة خمس وسبعين وستمائة، وفارقها السلطان غياث الدين كيخسرو والبرواناه إلى توقات
أخذ هذا الأمير فى ذلك اليوم من جملة ثمانية عشر مملوكا من مماليك السلطان غياث الدين، وعرضوا على السلطان الملك الظاهر فأمر بإرسالهم إلى الدّهليز السلطانى، قال: فسرقنى الذى توجه بى، وباعني، ثم اشترانى الأمير حسام/ الدين طرنطاى بعد ذلك، ولم يزل فى جملة مماليكه إلى أن أعتقه، ولما قتل الأمير حسام الدين المذكور، كان الأمير سيف الدين بكتمر هذا عنده أمير آخور، فانتقل إلى المملكة السلطانية الأشرفية، وجعله السلطان الملك الأشرف صلاح الدين فى جملة أمراء آخورية فى الإسطبل السلطانى، واستمر على ذلك إلى أن ملك المنصور حسام الدين لاجين المنصورى، فأمّره بعشرة طواشية، ثم أمّره بطبلخاناة، وأقطعه إقطاع الأمير سيف الدين بلبان الأنصارى أمير النقباء، وقد ذكرنا فيما تقدم من كتابنا هذا تنقله فى المناصب والولايات، وكان فى الدولة الناصرية الثانية أمير آخور، ثم نقل إلى دمشق وأمّر بطبلخاناة بها، ثم ولى الحجبة بالشام، ونقل منها إلى أستاذ داريته وشادّ الدواوين، ثم أعيد إلى الشام، وحضر فى ركاب السلطان فى سنة تسع وسبعمائة إلى الديار المصرية المحروسة، ورسم له بتقدم العسكر بغزة فى السنة المذكورة ثم نقل منها إلى الأبواب السلطانية، وولى الوزارة، وأعطى تقدمة ألف وإمرة مائة فى سنة عشر وسبعمائة، ثم نقل فى سنة إحدى عشرة إلى الحجبة إلى الأبواب السلطانية، إلى أن قبض عليه، ثم توجه بعد الإفراج عنه إلى نيابة المملكة الصّفدية، وأعيد إلى الأبواب السلطانية فى سنة ثمان عشرة وسبعمائة، واستقر فى جملة الأمراء المائة مقدمى الألوف، ورسم له بالجلوس فى مجلس السلطان، فكان يجلس أخيرا ثانى الميسرة، وقرب من السلطان قربا كثيرا، وكان يرجع إليه فى أكثر ما يتحدث فيه.
ولما تمكن من السلطان بعد عوده من صفد أنهى له ما قدمنا ذكره من أخباره، وأنه كان من مماليك السلطان غياث الدين [كيخسرو] فأحضر
السلطان قضاة القضاة إلى مخيمه وهو يتصيد بالقرب من طنان وذلك فى سنة وسبعمائة، واستفتاهم فى ذلك فأفتوه أنه بهذا الاعتبار باق على الرّقّ لسلطان غياث الدين وذريته، فتحيّلوا فى ذلك، وفكروا فى طريق يخلصه من الرق، فأبيع على الغائب، وأرث السلطان غياث الدين بإذن قاضى القضاة نور الدين الشافعى بمبلغ خمسة آلاف درهم، اشتراه ولدا الأمير حسام الدين طرنطاى، وهما الأميران: ناصر الدين محمد وعلاء الدين على بالثمن المذكور، وأنعم السلطان بالثمن من ماله، وأودع للغائب، وعتقاه، وجدّد نكاحه وأعتق ثانيا جميع من كان أعتقه أولا.
ولم يزل ﵀ فى الخدمة السلطانية على غاية الإكرام والقرب من السلطان وملازمته فى أسفاره وصيده، ولو غاب يوما واحدا كان معه إلى أن مات رحمه الله تعالى، وأوصى بثلث ماله صدقة، وثبتت وصيته ونفذت، وخلف تركة جليلة، وأحسن السلطان إلى ورثته بعده؛ فأنعم على ولده الأمير ناصر الدين محمد بإمرة عشرة طواشية، وعمره يوم ذاك نحو ثلاثة عشرة سنة، وأنعم على ولده الأمير عبد الله بإقطاع، وعمره نحو خمس سنين، وعرض مماليكه، فنزل جماعة منهم فى جملة المماليك السلطانية، وفرّق السلطان إقطاعه، فكمل منه للأمير سيف الدين طرغاى الجاشنكير على ما بيده، فأكمل له مائة فارس، وقدمه على ألف، وأعطى جوجر للأمير صلاح الدين يوسف بن الأسعد وجعله شاد الدواوين، وأعطى الأمير سيف الدين طوسون منه منية زفتى، عوضا عما ارتجعه من إقطاعه.
وفيها فى سحر يوم الجمعة السابع من جمادى الأولى توفى الشيخ الإمام العالم العابد الزاهد العلامة برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن الشيخ الإمام العلامة تاج الدين أبي محمد بن عبد الرحمن بن الشيخ برهان الدين إبراهيم بن سباع بن ضياء الفزارى البدرى الشافعى المعروف والده بالفركاح، سمى كذلك لعرج كان برجله، وكانت وفاته بمنزلة بمدرسة البادرائيّة، وصلى عليه بجامع دمشق عقيب صلاة الجمعة، وكانت جنازته مشهودة، وصلّى عليه ثانيا عند باب جامع جرّاح، ومرة ثالثة عند باب التّربة، ودفن بتربتهم بمقبرة الباب الصغير، ومولده بدمشق فى شهر ربيع الأول سنة ستين وستمائة، ومحله من العلوم والزهد والنزاهة المحل الذى لا يجهل، وامتنع من قبول قضاء القضاة بدمشق مرارا، ولم يوافق على قبول الولاية، وله تصانيف فى العلوم، وسمع من نحو مائة شيخ، منهم ابن عبد الدائم، وابن أبى اليسر، وحدّث بصحيح البخارى وغيره.
قال الشيخ علم الدين البرزالى فى تاريخه عنه: وله اختصاص بمعرفة الفرائض، وله فيها تصنيف، وله تعليقة كبيرة على كتاب التنبيه فى عدة مجلدات، وله مصنفات صغار وأشياء مفيدة، وله مشاركة فى معرفة الأصول والنحو، وله مصنف فى المنطق، وغير ذلك.
قال: وطلبت من الشيخ كمال الدين بن الزّملكانى أن يكتب لى ترجمته فكتب: هو إمام فاضل، وفقيه عالم، كثير الديانة غزير الفضائل، متقشف متزهد متورع متواضع حسن الصمت، لطيف الكلام، متصدّ للنفع والإفادة وشغل الطلبة وإفتاء المستفتين، وإرشاد الطالبين، تقدم فى معرفة مذهب الشافعى ونقله، وأفتى ودرس فى شبيبته، وعرضت عليه المناصب فأباها، وترك الخطابة بجامع دمشق بعد أن وليها وامتنع منها، وروجع فى ذلك فلم يقبل، وتصدر ليلا ونهارا للإقراء والإفتاء، والجمع والإفادة، ملازم الخير
وحسن الطريقة، متقللا من الدنيا/ متحرّزا فى فتواه، لا يفتى إلا فيما تحقق نقله، وإذا أفتى احترز وقيّد ألفاظه، ولو بالقيود العامة، لئلا يكون عليه مطعن أو مأخذ، وكان بيده تدريس المدرسة البادرائية، وليها بعد والده، واستقر بها، واقتصر على شرح واقفها، وإذا فرغ من تدريسه بها تصدر فى الجامع للإقراء والتعليم والفتوى، وإذا رجع إلى منزله عاوده الشغل والمذاكرة، ولم يزل هذا دأبه، انتهى كلام الشيخ كمال الدين فيه، رحمهما الله تعالى.
وفيها فى ليلة الاثنين السادس عشر من جمادى الآخرة توفى القاضى معين الدين أبو المواهب هبة الله بن معين الدين مسعود بن عبد الله بن أبى الفضائل أو المفضل حشيش، صاحب ديوان الجيوش المنصورة بالأبواب السلطانية، وكانت وفاته بالقاهرة بدار كان يسكنها برأس حارة الجوجرية، ودفن فى يوم الاثنين بالقرافة الصغرى بتربة القاضى فخر الدين ناظر الجيوش، ومولده فى أواخر شهور سنة ست وستين وستمائة، وكان رحمه الله تعالى حسن المودة والمحاضرة والمذاكرة، وله شعر جيد ونثر، كان كاتبا أتقن صناعة كتابة التصرف، ما رأيت أجود من ذهنه وإتقانه وضبطه، سألته فى سنة ست عشرة وسبعمائة عن بلدة تسمى (بدويه) من أعمال الدقهلية والمرتاحية، لمن أقطعت فى الرّوك الناصرى، فذكر لى أنها كانت قبل الروك لسبعة من رجال الحلقة المنصورة، وسمى بعضهم، ثم ذكر من أقطعت باسمه فى الرّوك الناصري من غير أن يكشف حسابه، فقلت له: أرنى الحساب الذى يدل على هذا، وقصدت بذلك تحقيق نقله، فأخرج حسابه، فتأملته، فما وجدته أخل بشىء منه، حتى كأنه كان يشاهده، فعجبت من ذلك، وحكيته عنه رحمه الله تعالى، واشتغل بأنساب العرب، ونظر فى التاريخ رحمه الله تعالى.
وفيها فى يوم السبت رابع عشر ذى القعدة- بعد أذان العصر- توفى قاضى القضاة شيخ المشايخ علاء الدين أبو الحسن على بن الشيخ نور الدين أبى الفداء إسماعيل بن جمال الدين أبى المحاسن يوسف القونوىّ التبريزى الأصل الشافعى قاضى القضاة بدمشق، وكانت وفاته ببستان بالسّهم ظاهر دمشق، وصلّى عليه بمصلى الجامع المظفّرى بكرة نهار الأحد، وأمّ الناس فى الصلاة عليه الخطيب بدر الدين محمد بن قاضى القضاة بدر الدين محمد بن جلال الدين القزوينى، وحمل إلى تربة اشتراها له الأمير حسام الدين طرنطاى البشمقدار الحاجب بمبلغ أربعمائة درهم بوصية منه أن يدفن فى أرض لم يدفن فيها أحد، فاشترى له دارا كانت لأولاد قمر الدولة، واحترقت لما دخل غازان الشام، فحفر له فى وسط الدار، وله يومئذ نحو ستين سنة، فإن مولده بقونية فى سنة ثمان وستين وستمائة تقريبا، وقد ذكرنا من أخباره وحسن سيرته فى ولاية قضاء الشام ما فيه كفاية، رحمه الله تعالى.
وفيها فى ليلة السبت سادس ذى الحجة- بعد أذان العشاء الآخرة- توفى الرئيس الصاحب عز الدين أبو يعلى حمزة بن الصدر الرئيس مؤيد الدين أبى المعالى أسعد بن الصدر عز الدين أبى غالب المظفر بن الوزير مؤيد الدين أبى المعالى أسعد بن الرئيس العميد أبى يعلى حمزة بن أسد بن على بن محمد التميمى الدمشقى، المعروف بابن القلانسىّ، مولده فى يوم الثلاثاء السادس والعشرين من شهر جمادى الآخرة سنة تسع وأربعين وستمائة،
وكانت وفاته ببستانه بسفح جبل قاسيون، وصلّى عليه بمصلى الجامع المظفّرى، وأمّ الناس فى الصلاة عليه الشيخ محمد بن تمام، ثم صلى بعد ذلك عليه وأمّ الناس قاضى القضاة عز الدين الحنبلى، ودفن بتربة والده بسفح قاسيون.
وكان رحمه الله تعالى رجلا ديّنا صدرا جليلا معظّما، لا يرتفع عليه أحد فى المجلس، ولى وكالة الخواص السلطانية الملكية الناصرية فى سنة سبع وسبعمائة، ثم ولى وزارة الشام كما تقدم، وانفصل منها، واستقر فى ولاية الخواص، ثم انفصل من ذلك كله، وكان من أغنياء الناس وأكابرهم، وله عدة مماليك فى جملة رجال الحلقة المنصورة الشامية، وكان رحمه الله تعالى حسن المودة، قدمت إلى دمشق سنة ثنتى عشرة وسبعمائة عند عودى من طرابلس بعد وزارته، فجاءنى للسلام على، وكنت نزلت عند قاضى القضاة نجم الدين صصرى بدار ابن عمه شرف الدين ﵏، وأظهر الألم من كونى لم أنزل عنده، وعتب على أصحابى كونهم ما عرفوه قبل قدومى، ليتلقانى وينزلنى عنده.
وفيها فى يوم الخميس حادى عشر ذى الحجة توفى الصاحب ناصر الدين محمد بن الصاحب فخر الدين محمد بن الصاحب الوزير تاج الدين محمد بن الشيخ فخر الدين محمد بن الصاحب الوزير بهاء الدين على بن محمد بن سليم المعروف جد أبيه بابن حنّا أحد وزراء الدولة الناصرية والده، ووزير الدولة الظاهرية الركنية جد أبيه، وكان يلقب بالصاحب، ولم يل وزارة ولا ما يقاربها، وإنما يلقب بذلك على عادة أسلافه، وكانت وفاته بداره ببركة الحبش، ودفن يوم الجمعة بالقرافة عند قبر والده رحمهما الله تعالى، وكان مباشر صحابة ديوان الأحباس، باشر هذه الوظيفة لفاقة نالته، وحاجية مسته، والله أعلم.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع