من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
النوع الثامن مما يحتاج إلى وصفه الأفلاك والكواكب، وفيه مقصدان
المقصد الأوّل في بيان ما يقع عليه اسم الفلك وعدد أكره، وما بين كل كرتين وحركة الأفلاك في اليوم والليلة
أما ما يقع عله اسم الفلك فالمراد بالأفلاك السموات. قال صاحب «مناهج الفكر»: تواطأت الأمم على تسمية أجرام السموات أفلاكا، وقال ابن قتيبة في «أدب الكاتب»: الفلك مدار النجوم الذي يضمها، واحتج بقوله تعالى بعد ذكر النجوم: «وكلّ في فلك يسبحون» قال: وسمّي فلكا لاستدارته، ومنه قيل: فلكة المغزل لاستدارتها.
وأما شكل الفلك وهيئته، فقد اختلف علماء الهيئة في ذلك: فذكر الأكثرون منهم أنها كريّة لا مسطّحة، لأن أسرع الأشياء حركة السموات وأسرع الأشكال حركة الكرة لأنها لا تثبت على مكان من الأمكنة إلا بأصغر أجزائها.
وأما عدد أكره فقد ذكر الجمهور من علماء الهيئة أن الفلك عبارة عن تسع
أكر متسقة، ملتفة بعضها فوق بعض التفاف طبقات البصلة، بحيث يماسّ محدّب كلّ كرة سفلى مقعر كرة أخرى عليا إذ لا خلاء بينهما عندهم. قالوا:
وأقرب هذه الأكر إلى الأرض كرة القمر، ثم كرة عطارد، ثم كرة الزّهرة، ثم كرة الشّمس، ثم كرة المرّيخ، ثم كرة المشتري، ثم كرة زحل، ثم كرة الكواكب الثابتة، ثم كرة الفلك الأطلس؛ وسمّي بالأطلس لأنه لا كواكب فيه، ثم الفلك المحيط، ويسمّى فلك الكل، وفلك الأفلاك، والفلك الأعلى، والفلك الأعظم، وحكى النومحسي في «كتاب الآراء والديانات» أن بعض القدماء ذهب إلى أن كرة الشمس أعلى من سائر كرات الكواكب، وبعدها كرة القمر، وبعدها كرة الكواكب المتحيرة، ثم كرة الكواكب الثابتة. والمتفلسفون من الإسلاميين لما حكمت عليهم نصوص الكتاب والسنة بالاقتصار على ذكر سبع سموات، زعموا أن الفلك الثامن من الأفلاك التسعة هو الكرسيّ، والفلك التاسع هو العرش. وذهب بعض القدماء من علماء الهيئة إلى أن فوق الكرة التاسعة كرة عاشرة هي المحرّكة لسائر الأكر. وذهب آخرون إلى أن وراء نهاية الأجرام السماوية خلاء لا نهاية له، وذهب بعض الفلاسفة إلى أن وراءها عالم الصورة، ثم عالم النفس، ثم عالم السياسة، ثم عالم العلّة الأولى، ويعنون به الباري تعالى عن الجهة.
والصابئة يسمون هذه العوالم أفلاكا.
وأما ما بين كل كرتين، فذهب أهل الهيئة إلى أنها متراصّة لا خلاء بينها،
لكن قد ورد الشرع بما يخالف ذلك، فأطبق القصّاص من أهل الأثر على أن بين كلّ سماء وسماء خمسمائة سنة، وفي سنن التّرمذي أن «بين كل سماء وسماء واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة».
وأما حركة الأفلاك اليومية، فإن الفلك الأطلس المقدّم ذكره يتحرّك بما في ضمنه في اليوم والليلة حركة واحدة دوريّة على قطبين مائلين يسمّيان قطبي العالم، أحدهما عظمى تقطع هذا الفلك نصفين تسمّى دائرة معدّل النهار، لأن الشمس متى حلّت بها اعتدل النهار في سائر الأقطار، وتقاطع هذه الدائرة دائرة أخرى متوهّمة تقسم هذا الفلك نصفين على نقطتين متقابلتين، يصير نصفها في شماليّ معدّل النهار ونصفها الآخر في جنوبيّه، ويسمّى منطقة البروج، وهذه الدائرة ترسمها الشمس بحركتها الخاصة في السنة الشمسية، ومن ثمّ قسمت اثني عشر قسما ويسمّى كلّ قسم منها برجا.
المقصد الثاني في ذكر الكواكب ومحلها من الأفلاك؛ وهي على ضربين
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع