من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الضرب الأوّل (٢)
- وهو الذي يسميه ابن الأثير: المعاظلة المعنوية- ألّا يكون ترتيب الألفاظ على وفق ترتيب المعاني بسبب تقديم أو تأخير، أو حذف، أو إضمار، أو غير ذلك مما يوجب صعوبة فهم المراد، وإن كان ثابتا في الكلام، جاريا على القوانين، كقول الفرزدق في مدح إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي، خال هشام بن عبد الملك:
وما مثله في الناس إلا مملّكاأبو أمّه حيّ أبوه يقاربه
أي وما مثل هذا الممدوح في الناس حيّ يقاربه ويشبهه في الفضائل إلا مملّكا، أبو أمّ ذلك المملّك أبو الممدوح، فيكون الممدوح خال المملّك، والمعنى أنه لا يماثل أحد هذا الممدوح الذي هو إبراهيم بن هشام إلا ابن أخته هشام، أفسده وعقّد معناه، وأخرجه عن حدّ الفصاحة إلى حدّ اللّكنة؛ وكذلك قوله في الوليد بن عبد الملك:
إلى ملك، ما أمّه من محاربأبوه، ولا كانت كليب تصاهره
يريد إلى ملك ما أمّ أبيه من محارب، وقوله:
تعال فإن عاهدتني لا تخوننينكن مثل من ياذئب يصطحبان
يريد نكن يا ذئب مثل من يصطحبان، وقوله:
وليست خراسان التي كان خالدبها أسد، إذ كان سيفا أميرها
يريد أن خالد بن عبد الله كان قد ولي خراسان ووليها أسد بعده، فمدح خالدا بأنه كان سيفا، بعد أن كان أسد أميرها، فكأنه يقول وليست خراسان بالبلدة التي كان خالد بها سيفا إذ كان أسد أميرها.
قال ابن الأثير: وعلى هذا التقدير ففي كان الثانية ضمير الشأن والحديث، والجملة بعدها خبر عنها، وقد قدّم بعض ما إذ مضافة إليه وهو أسد عليها، وفي تقديم المضاف إليه أو شيء منه على المضاف من القبح ما لا خفاء به. قال: وأيضا فإن أسدا أحد جزأي الجملة المفسّرة للضمير، والضمير لا يكون تفسيره إلا من بعده، ولو تقدّم تفسيره قبله لما احتاج إلى تفسير، ولما سماه الكوفيون الضمير المجهول؛ وعلى نحو ذلك ورد قول الآخر:
فأصبحت بعد خطّ بهجتهاكأنّ قفرا رسومها قلما
يريد فأصبحت بعد بهجتها قفرا كأنّ قلما خط رسومها، فقدّم خبر كأنّ وهو خطّ عليها فجاء مختلّا مضطربا.
قال في «المثل السائر»: وهذا البيت من أقبح هذا النوع لأن معانيه قد تداخلت، وركب بعضها بعضا؛ على أن ذلك قد وقع لجمع من فحول شعراء العرب؛ كقول امرىء القيس:
هما أخوا في الحرب من لا أخا لهإذا خاف يوما نبوة فدعاهما
يريد أخوا من لا أخوي له في الحرب؛ وقول النابغة:
يثرن الثّرى حتّى يباشرن بردهإذا الشمس مجّت ريقها بالكلاكل
قال أبو هلال العسكريّ: وهذا البيت مستهجن جدّا لأن المعنى تعمّى فيه، يريد يثرن الثرى حتى يباشرن برده بالكلاكل إذا الشمس مجّت ريقها، وقول أبي حيّة النّميريّ:
كما خطّ الكتاب بكّفّ، يوما،يهوديّ يقارب أو يزيل
يريد كما خط الكتاب بكف يهوديّ يوما يقارب أو يزيل؛ وقول ذي الرمة:
نضا البرد عنه وهو من، ذو، جنونهأجاريّ، صهّال وصوت مبرسم
يريد وهو من جنونه ذو أجاريّ؛ قال في «الصناعتين»: كأنه تخليط كلام مجنون أو هجر مبرسم؛ وقول الشماخ:
تخامص عن برد الوشاح إذا مشتتخامص حافي الخيل في الأمعز الوجي
يريد تخامص حافي الخيل في الوجي، الأمعز.
قال أبو هلال العسكري: وليس للمحدث أن يجعل هذه الأبيات حجة ويبنى عليها فإنه لا يعذر في شيء منها، لإجماع الناس اليوم على مجانبة أمثالها واستجادة ما يضح من الكلام ويستبين، واسترذال ما يشكل منه ويستبهم؛ وقد كان عمر ﵁ يمدح زهيرا بأنه لم يكن يعاظل بين الكلام.
قال في «المثل السائر»: والفرزدق أكبر الشعراء تعاظلا وتعقيدا في شعره، كأنه كان يقصد ذلك ويتعمّده، لأن مثله لا يجيء إلا متكلّفا مقصودا، وإلا فإذا ترك مؤلف الكلام نفسه تجري على سجيّتها وطبعها في الاسترسال لم يعرض له شيء من هذا التعقيد، بدليل أن المقصود من الكلام معدوم في هذا النوع، إذ المقصود من الكلام إنما هو الإيضاح والإبانة وإفهام المعنى، فإذا ذهب هذا الوصف المقصود من الكلام ذهب المراد به، ولا فرق عند ذلك بينه وبين غيره من اللغات كالفارسية والرومية وغيرهما.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع