من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
القسم الأوّل ما وقع الاتفاق فيه في المعنى واللفظ جميعا
كقول الفرزدق:
وغرّ قد وسقت مشمّراتطوالع لا تطيق لها جوابا
بكلّ ثنيّة وبكلّ ثغرغرائبهنّ تنتسب انتسابا
بلغن الشمس حين تكون شرقاومسقط رأسها من حيث غابا
ووافقه جرير فقال مثل ذلك من غير زيادة ولا نقص.
ويروى أنّ عمر بن أبي ربيعة أنشد ابن عباس ﵁:
تشطّ غدا دار جيراننا
فقال ابن عباس ﵁:
وللدّار بعد غد أبعد
فقال عمر: والله ما قلت إلا كذلك.
قال أبو هلال العسكريّ في كتابه «الصناعتين»:
وأنشدت الصاحب إسماعيل بن عبّاد ﵀:
كانت سراة الناس تحت أظلّه
فسبقني وقال:
فغدت سراة الناس فوق سراته
وكذلك كنت قلت: قال الوزير ضياء الدين بن الأثير ﵀ في كتابه «المثل السائر»: ويحكى أن امرأة من عقيل يقال لها ليلى كان يتحدّث إليها الشّباب، فدخل الفرزدق إليها وجعل يحادثها، وأقبل فتى من قومها كانت تألفه فدخل إليها فأقبلت عليه وتركت الفرزدق، فغاظه ذلك فقال للفتى: أتصارعني؟
فقال: ذاك إليك، فقام إليه فلم يلبث أن أخذ الفرزدق فصرعه وجلس على صدره فضرط، فوثب الفتى عنه وقال: يا أبا فراس هذا مقام العائذ بك، والله ما أردت ما جرى، قال: وحيك! والله ما بي أنك صرعتني ولكن كأنّي بابن الأتان، (يعني جريرا) وقد بلغه خبري فقال يهجوني:
جلست إلى ليلى لتحظى بقربهافخانك دبر لا يزال يخون
فلو كنت ذا حزم شددت وكاءهكما شدّ جربان الدّلاص قيون
فما مضى إلا أيام حتّى بلغ جريرا الخبر، فقال فيه هذين البيتين. قال: وهذا من أغرب ما يكون في هذا الموضع وأعجبه؛ قال في «الصناعتين»: وإذا كان القوم في قبيلة واحدة، في أرض واحدة، فإن خواطرهم تقع متقاربة، كما أن أخلاقهم وشمائلهم تكون متضارعة. قال في «المثل السائر»: ويقال إن الفرزدق وجريرا كانا ينطقان في بعض الأحوال عن ضمير واحد. قال: وهذا عندي مستبعد، فإن ظاهر الأمر يدل على خلافه، والباطن لا يعلمه إلا الله تعالى، وإلا فإذا رأينا شاعرا متقدّم الزمان قد قال قولا ثم سمعناه من شاعر أتى من بعده، علمنا بشهادة الحال أنه أخذه منه؛ وهب أن الخواطر تتفق في استخراج المعاني الظاهرة المتداولة، فكيف تتفق الألسنة أيضا في صوغ الألفاظ؟ وكلام العسكريّ في «الصناعتين» يوافقه بالعتب على المتأخر، وإن ادّعى أنه لم يسمع كلام الأوّل في مثل ذلك.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع