من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الثاني- فصل الصيف
: وهو أحد وتسعون يوما وربع ونصف ثمن يوم وابتداؤه إذا حلّت الشمس رأس السّرطان، وانتهاؤه إذا أتت على آخر درجة من السّنبلة؛ فيكون له من البروج السرطان، والأسد، والسنبلة. وهذه البروج تدلّ على السّكون، وله من الكواكب المرّيخ والشمس؛ ومن المنازل النّثرة، والطّرف، والجبهة، والزّبرة، والصّرفة، والعوّاء، والسّماك يتداخل فيه؛ وله من الساعات الرابعة والخامسة والسادسة، ومن الرياح الصّبا، وطبعه حارّ يابس؛ وله من السنّ الشّباب؛ ومن الأخلاط المرّة الصفراء؛ ومن القوى القوّة النفسية والحيوانية. وللعرب في هذا الفصل وغرات: وهي الحرور؛ منها وغرة الشّعرى، ووغرة الجوزاء، ووغرة سهيل، أوّلها أقواها حرّا؛ يقال إن الرجل في هذه الوغرة يعطش بين الحوض والبئر، وإذا طلع سهيل ذهبت الوغرات؛ وتسمّى الرياح التي في هذه الوغرات البوارح؛ سميت بذلك لأنها تأتي من يسار الكعبة كما برح الظّبي إذا أتاك من يسارك؛ وقد أولع الناس بين لفحات الحرّ وسمومه، وأتوا
فيه ببدائع تقلع من قلب الصّبّ غمام غمومه. وفي ذلك قول بعضهم: أوقدت الظهيرة نارها، وأذكت أوارها، فأذابت دماغ الضّبّ، وألهبت قلب الصّبّ؛ هاجرة كأنها من قلوب العشّاق، إذا اشتعلت فيها نار الفراق، حرّ تهرب له الحرباء من الشمس، وتستجير بمتراكم الرّمس؛ لا يطيب معه عيش، ولا ينفع معه ثلج ولا خيش؛ فهو كالقلب المهجور، أو كالتّنّور المسجور. ووصف بعضهم، وهو ذو الرمّة، حرّ هاجرة فقال:
وهاجرة حرّها واقدنصبت لحاجبها حاجبي
تلوذ من الشّمس أطلاؤهالياذ الغريم من الطّالب
وتسجد للشمس حرباؤهاكما يسجد القسّ للرّاهب
وقال سوّار بن المضرّس:
وهاجرة تشتوى بالسّمومجنادبها في رؤوس الأكم
إذا الموت أخطأ حرباءهارمى نفسه بالعمى والصّمم
وقال أبو العلاء المعريّ:
وهجيرة كالهجر موج سرابهاكالبحر ليس لمائها من طحلب
واخى به الحرباء عودي منبرللظّهر إلا أنه لم يخطب
وقال آخر:
وربّ يوم حرّه منضجكأنّه أحشاء ظمآن
كأنّما الأرض على رضفةوالجوّ محشوّ بنيران
وبالغ الأمير ناصر الدين بن الفقيسي فقال من أبيات:
في زمان يشوي الوجوه بحرّويذيب الجسوم لو كنّ صخرا
لا تطير النّسور فيه إذا ماوقفت شمسه وقارب ظهرا
يشتكي الضّبّ ما اشتكى الصّبّ فيهولحربائه إلى الظلّ حرّا
ويودّ الغصن الرّطيب به لوأنّه من لحائه يتعرّى
وقال أيضا يصف ليلة شديدة الحر:
يا ليلة بتّ بها ساهرامن شدّة الحرّ وفرط الأوار
كأنّني في جنحها محرملو أنّ للعورة منّي استتار
وكيف لا أحرم في ليلةسماؤها بالشّهب ترمي الجمار
على أن أبا عليّ بن رشيق قد فضّله على فصل الشتاء فقال:
فصل الشّتاء مبين لا خفاء بهوالصّيف أفضل منه حين يغشاكا
فيه الذي وعد الله العباد بهفي جنّة الخلد إن جاؤوه نسّاكا
أنهار خمر وأطيار وفاكهةما شئت من ذا ومن هذا ومن ذاكا
فقل لمن قال لولا ذاك لم يك ذاإذا تفضّل على أخراك دنياكا
سمّ الشّتاء بعبّاس تصب غرضامن الصّواب وسمّ الصّيف ضحّاكا
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع