من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الأول- فصل الربيع
- وابتداؤه عند حلول الشمس برأس الحمل، وقد تقدم ومدّته أحد وتسعون يوما وربع يوم ونصف ثمن يوم. وأوّله حلول الشمس رأس الحمل، وآخره عند قطعها برج الجوزاء؛ وله من الكواكب القمر، والزّهرة، ومن المنازل الشّرطان، والبطين، والثّريّا، والدّبران، والهقعة، والهنعة، والذّراع بما في ذلك من التداخل كما مر؛ ومن الساعات الأولى والثانية والثالثة؛ ومن الرّياح الجنوب؛ وطبعه حارّ رطب؛ وله من السّن الطّفولية والحداثة؛ ومن الاخلاط الدم، ومن القوى الهاضمة. وفيه تتحرّك الطبائع، وتظهر المواد المتولدة في الشّتاء، فيطلع النبات، وتزهر الأشجار وتورق، ويهيج الحيوان للسّفاد، وتذوب الثّلوج، وتنبع العيون، وتسيل الأودية، وأخذت الأرض زخرفها وازّينت فتصير كأنها عروس تبدّت لخطّابها، في مصبّغات ثيابها؛ ويقال: إذا نزلت الشمس رأس الحمل تصرّم الشتاء، وتنفّس الربيع، واختالت الأرض في وشيها
البديع، وتبرّجت للنظّارة في معرض الحسن والنّضارة.
ومن كلام الوزير المغربيّ: لو كان زمن الربيع شخصا لكان مقبّلا، ولو أن الأيام حيوان لكان لها حليا ومجلّلا، لأن الشمس تخلص فيه من ظلمات حوت السماء، خلاص يونس من ظلمات حوت الماء؛ فإذا وردت الحمل وافت أحبّ الأوطان اليها وأعزّ أماكنها عليها.
وكان عبدوس الخزاعيّ يقول: من لم يبتهج بالربيع، ولم يستمتع بأنواره ولا استروح بنسيم أزهاره، فهو فاسد المزاج، محتاج إلى العلاج.
ويروى عن بقراط الحكيم مثله، وفيه بدل قوله: «فهو فاسد المزاج» فهو عديم حسّ، أو سقيم نفس. ولجلالة محلّ هذا الفصل في القلوب، ولنزوله من النفوس منزلة الكاعب الخلوب، كانت الملوك إذا عدمته استعملت ما يضاهي زهره من البسط المصوّرة المنقّشة، والنّمارق المفوّفة المرقّشة. وقد كان لأنوشروان بساط يسميه بساط الشّتاء، مرصّع بأزرق الياقوت والجواهر، وأصفره وأبيضه وأحمره، وقد جعل أخضره مكان أغصان الأشجار، وألوانه بموضع الزّهر والنوار. ولما أخذ هذا البساط في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ في واقعة القادسيّة، حمل إليه فيما أفاء الله على المسلمين؛ فلما رآه قال: «إن أمّة أدّت هذا إلى أميرها لأمينة» ثم مزّقه فوقع منه لعليّ ﵇ قطعة في قسمه مقدارها شبر في شبر فباعها بخمسة عشر ألف دينار.
وقد أطنب الناس في وصف هذا الفصل ومدحه، وأتوا بما يقصر عن شرحه، وتغالى الشعراء فيه غاية التّغالي، وفضّلوا أيامه ولياليه على الأيّام والليالي، وما أحلى قول البحتريّ:
أتاك الربيع الطّلق يختال ضاحكامن الحسن حتّى كاد أن يتكلّما
وقد نبّه النّوروز في غسق الدّجىأوائل ورد كنّ بالأمس نوّما
يفتّحها برد النّدى فكأنّمايبثّ حديثا بينهنّ مكتّما
ومن شجر ردّ الربيع رداءهكما نشرت ثوبا عليه منمنما
أحلّ فأبدى للعيون بشاشةوكان قذى للعين إذ كان محرما
ورقّ نسيم الجوّ حتّى كأنّمايجيء بأنفاس الأحبّة نعّما
وأحلى منه قول أحمد بن محمد العلويّ:
أو ما ترى الأيّام كيف تبرّجتوربيعها وال عليها قيّم؟
لبست به الأرض الجمال فحسنهامتأزّر ببروده متعمّم
انظر إلى وشي الرّياض كأنّهوشي تنشّره الأكفّ ينمنم
والنّور يهوى كالعقود تبدّدتوالورد يخجل والأقاحي تبسم
والطّلّ ينظم فوقهنّ لآلئاقد زان منهنّ الفرادى التّوأم
ويكاد يذري الدّمع نرجسها اذاأضحى ويقطر من شقائقها الدّم
ومنها:
أرض تباهيها السماء اذا دجاليل ولاحت في دجاها الأنجم
فلخضرة الجوّ اخضرار رياضهاولزهره زهر ونور ينجم
وكما يشقّ سنا المجرّة جرّهواد يشقّ الأرض طام مفعم
لم يبق إلا الدّهر إذ باهت بهوحيا يجود به ملثّ مرهم
وقول الآخر:
طرق الحياء ببّره المشكورأهلا به من زائر ومزور
وحبا الرّياض غلالة من وشيهبغرائب التّفويف والتّحبير
وأعارها حليا تأنّى الغيث فيترصيعه بجواهر المنثور
بمورّد كمورّد الياقوت قارن أبيضا كمصاعد الكافور
ومعصفر شرق وأصفر فاقعفي أخضر كالسّندس المنشور
فكأنّ أزرقه بقايا إثمدفي أعين مكحولة بفتور
كملت صفات الزّهر فيه فناب عمّاغاب من أنواعه بحضور
وقول الآخر:
إشرب هنيئا قد أتاك زمانمتعطّر متهلّل نشوان
فالأرض وشي والنّسيم معنبروالماء راح والطّيور قيان
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع