تجاوز إلى المحتوى

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)

الثالث- فصل الخريف

، وهو أحد وتسعون يوما وربع يوم ونصف ثمن يوم، وأوّله عند حلول الشمس رأس الميزان؛ وذلك في الثامن عشر من توت وإذا بقي من أيلول ثمانية أيام؛ وآخره إذا أتت الشمس على آخر درجة من القوس؛ فيكون له من البروج الميزان والعقرب والقوس؛ وهذه البروج تدلّ على الحركة، وله من الكواكب زحل، ومن الساعات السابعة والثامنة. والطالع فيه مع الفجر من المنازل الغفر والزّبانان والإكليل والقلب والشّولة والنّعائم والبلدة يتداخل فيه.

وهو بارد يابس، له من السّن الكهولة؛ تهيج فيه المرّة السّوداء، وتقوى فيه القوّة الماسكة، وتهبّ فيه الرياح الشّمالية، وفيه يبرد الهواء، ويتغيّر الزمان، وتنصرم الثّمار، ويتغير وجه الأرض، وتهزل البهائم، وتموت الهوامّ، وتجحر الحشرات، ويطلب الطير المواضع الدّفئة، وتصير الأرض كأنها كهلة مدبرة. ويقال: فصل

الخريف ربيع النفس كما أن الربيع ربيع العين، فإنه ميقات الأقوات، وموسم الثّمار، وأوان شباب الأشجار؛ وللنّفوس في آثاره مربع، وللجسوم بمواقع خيراته مستمتع. وقد وصفه الصابي فقال: الخريف أصحّ فصول السنة زمانا، وأسهلها أوانا؛ وهو أحد الاعتدالين المتوسّطين بين الانقلابين، حين أبدت الأرض عن ثمرتها، وصرّحت عن زبدتها؛ وأطلقت السماء حوافل أنوائها، وآذنت بانسكاب مائها؛ وصارت الموارد، كمتون المبارد؛ صفاء من كدرها، وتهذّبا من عكرها؛ واطّرادا مع نفحات الهواء، وحركات الرّياح الشّجواء؛ واكتست الماشية وبرها القشيب، والطائر ريشه العجيب.

ومن كلام ابن شبل: كلّ ما يظهر في الربيع نوّاره ففي الخريف تجتنى ثماره.

وقال أبو بكر الصنوبري:

ما قضى في الربيع حقّ المسرّاتمضيع لحقّها في الخريف
نحن منه على تلقّي شتاءيوجب القصف أو وداع مصيف
في قميص من الزّمان رقيقورداء من الهواء خفيف
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
يرعد الماء فيه خوفا اذا مالمسته يد النّسيم الضّعيف
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة

وقال ابن الرومي يصفه:

لولا فواكه أيلول إذا اجتمعتمن كلّ فنّ ورقّ الجوّ والماء
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «لولا فواكه أيلول إذا اجتمعت»
إذا لما حفلت نفسي إذا اشتملتعليّ هائلة الحالين غبراء
يا حبّذا ليل أيلول إذا بردتفيه مضاجعنا والرّيح شجواء
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «لولا فواكه أيلول إذا اجتمعت»
وخمّش القرّ فيه الجلد والتأمتمن الضّجيعين أجسام وأحشاء
وأسفر القمر الساري بصفحتهيرى لها في صفاء الماء لألاء
بل حبّذا نفحة من ريحه سحرايأتيك فيها من الرّيحان أنباء
قل فيه ما شئت من فضل تعهّدهفي كلّ يوم يد لله بيضاء

وقال عبد الله بن المعتز يصفه ويفضله على الصيف من أبيات:

طاب شرب الصّبوح في أيلولبرد الظلّ في الضّحى والأصيل
وخبت لفحة الهواجر عنّاواسترحنا من النّهار الطّويل
وخرجنا من السّموم إلى بردنسيم وطيب ظلّ ظليل
فكأنّا نزداد قربا من الجنّةفي كلّ شارق وأصيل
ووجوه البقاع تنتظر الغيثانتظار المحبّ ردّ الرّسول

وقريب منه قول الآخر:

اشرب على طيب الزّمان فقد حدابالصّيف للنّدمان أطيب حاد
وأشمّنا بالليل برد نسيمهفارتاحت الأرواح في الأجساد
وافاك بالأنداء قدّام الحيافالأرض للأمطار في استعداد
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «قم يا نديمي نصطبح بسواد»
كم في ضمائر تربها من روضةبمسيل ماء أو قرارة واد
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «قم يا نديمي نصطبح بسواد»
تبدو إذا جاء السّحاب بقطرهفكأنّما كنّا على ميعاد

ومما يقرب منه قول جحظة البرمكيّ:

لا تصغ للّوم إن اللّوم تضليلواشرب ففي الشّرب للأحزان تحليل
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
فقد مضى القيظ واجتثّت رواحلهوطابت الرّيح لمّا آل أيلول
وليس في الأرض بيت يشتكي مرهاإلا وناظره بالطّلّ مكحول

وبالغ بعضهم فسوّى بينه وبين فصل الربيع فقال في ضمن تهنئة لبعض إخوانه:

هنيّت إقبال الخريفوفزت بالوجه الوضيّ
تمّ اعتدالا في الكمالفجاء في خلق سويّ
فحكى الرّبيع بحسنهونسيم ريّاه الذّكيّ
وينوب ورد الزّعفرانله عن الورد الجنيّ

وأبلغ منه قول الآخر يفضله على فصل الربيع الذي هو سيد الفصول ورئيسها:

محاسن للخريف لهنّ فخرعلى زمن الرّبيع وأيّ فخر
به صار الزّمان أمام برديراقب نزحه وعقيب حرّ

ومع ذلك فالأطباء تذمّه لاستيلاء المرّة السّوداء فيه، ويقولون: أنّ هواءه رديء متى تشبّث بالجسم لا يمكن تلافيه؛ وفي ذلك يقول بعض الشعراء:

خذ في التّدثّر في الخريف فإنّهمستوبل ونسيمه خطّاف
يجري مع الأيّام جري نفاقهالصديقها ومن الصّديق يخاف

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.