من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الطرف الثاني في بيان حقيقة الخط
قال الشيخ شمس الدين بن الأكفاني في كتابه «إرشاد القاصد» في حصر العلوم: «وهو علم تتعرّف منه صور الحروف المفردة، وأوضاعها، وكيفية تركيبها خطّا أو ما يكتب منها في السّطور، وكيف سبيله أن يكتب، وما لا يكتب، وإبدال ما يبدل منها في الهجاء وبماذا يبدل».
قال: «وبه ظهرت خاصّة النوع الإنسانيّ من القوّة إلى الفعل، وامتاز عن سائر أنواع الحيوان، وضبطت الأموال، وترتّبت الأحوال وحفظت العلوم في الأدوار، واستمرّت على الأطوار، وانتقلت الأخبار من زمان إلى زمان، وحملت سرّا من مكان إلى مكان.
وبهذه الفضائل حافظت الغريزة الإنسانية على قبوله بطلب تعلّمه محافظة لم يحتج بها إلى تذكار بعد الغيبة. ولهذه العلّة استغنى عن كتاب يصنّف فيه».
ثم قال: «وجميع العلوم إنما تعرف بالدلالة عليها: بالإشارة، أو اللفظ، أو الخط، فالإشارة تتوقّف على المشاهدة، واللفظ يتوقّف على حضور المخاطب وسماعه؛ أما الخط فإنه لا يتوقّف على شيء فهو أعمّها نفعا وأشرفها».
واعلم أنه قد تقدّم في الكلام على اللغة في «النوع الأول مما يحتاج إليه الكاتب» أنه ينبغي للكاتب أن يتعلّم لغة من يحتاج إلى مخاطبته، أو مكاتبته من اللغات غير العربية؛ فكذلك ينبغي أن يتعلم من الخطوط غير العربية ما يحتاج إليه من ذلك، فقد قال محمد بن عمر المدائني في كتاب «القلم والدواة» إنه يجب عليه أن يتعلم الهندية وغيرها من الخطوط العجمية. ويؤيد ذلك ما تقدّم في الكلام على اللغة أن النبيّ ﷺ «أمر زيد بن ثابت ﵁ أن يتعلم كتاب يهود من السّريانية أو العبرانية فتعلّمها» وكان يقرأ على النبيّ ﷺ كتبهم ويجيبهم عنه.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع