من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الجملة الرابعة فيما ينشأ عنه الشكل ويترتّب عليه
واعلم أن الشكل جار مع الإعراب كيفما جرى، فينقسم إلى السّكون (وهو الجزم)، وإلى الفتح (وهو النصب)، وإلى الضم (وهو الرفع)، وإلى الجرّ (وهو الخفض).
أما السكون فلأنه الأصل. وأما الحركات الثلاث فقد قيل إنها مشاكلة للحركات الطبيعية: فالرفع مشاكل لحركة الفلك لارتفاعها، والجرّ مشاكل لحركة الأرض والماء لانخفاضها، والنصب مشاكل لحركة النار والهواء لتوسطها؛ ومن ثمّ لم يكن في اللغة العربية أكثر من ثلاثة أحرف بعدها ساكن إلا ما كان معدولا.
فسبحان من أتقن ما صنع!.
ثم الذي عليه أكثر النّحاة أن الحركات الثلاث مأخوذة من حروف المدّ واللين وهي الألف، والواو، والياء، اعتمادا على أن الحروف قبل الحركات، والثاني مأخوذ من الأوّل، فالفتحة مأخوذة من الألف إذ الفتحة علامة النصب في قولك: رأيت زيدا، ولقيت عمرا، وضربت بكرا؛ والألف علامة النصب في الأسماء المعتلة المضافة كقولك: رأيت أباك، وأكرمت أخاك؛ ويكون إطلاقا للرّويّ المنصوب كقولك: المذهبا، وأنت تريد المذهب، فلما أشبعت الفتحة نشأت عنها الألف؛ والكسرة مأخوذة من الياء لأنها أختها ومن مخرجها، والكسرة علامة الخفض في قولك: مررت بزيد، وأخذت عن زيد حديثا؛ والياء علامة الخفض أيضا في الأسماء المعتلة المضافة كقولك: مررت بأبيك وأخيك وذي مال؛ والضمة من الواو لأنها من مخرجها: من الشّفتين، وهي علامة الرفع في
قولك: جاءني زيد، وقام عمرو، وخرج بكر، والواو علامة الرفع في الأسماء المعتلة المضافة كقولك: جاءني أخوك وأبوك وذو مال.
وذهب بعض النّحاة إلى أن هذه الحروف مأخوذة من الحركات الثلاث، الألف من الفتحة، والواو من الضمة، والياء من الكسرة اعتمادا على أن الحركات قبل الحروف، بدليل أن هذه الحروف تحدث عند هذه الحركات إذا أشبعت، وأن العرب قد استغنت في بعض كلامها بهذه الحركات عن هذه الحروف اكتفاء بالأصل عن الفرع: لدلالة الأصل على فرعه.
وذهب آخرون إلى أن الحروف ليست مأخوذة من الحركات، ولا الحركات مأخوذة من الحروف، اعتمادا على أن أحدهما لم يسبق الآخر، وصححه بعض النّحاة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع