تجاوز إلى المحتوى

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)

الجملة الأولى في مسيس الحاجة إليه

قال محمد بن عمر المدائنيّ: ينبغي للكاتب أن يعجم كتابه، ويبيّن إعرابه، فإنه متى أعراه عن الضبط، وأخلاه عن الشكل والنقط كثر فيه التصحيف، وغلب عليه التحريف. وأخرج بسنده إلى ابن عباس ﵁ أنه قال: «لكلّ شيء نور، ونور الكتاب العجم ». وعن الأوزاعيّ نحوه.

قال أبو مالك الحضرميّ: أيّ قلم لم تعجم فصوله، استعجم محصوله.

ومن كلام بعضهم: «الخطوط المعجمة، كالبرود المعلمة».

ثم قد تقدم في الكلام على عدد الحروف أن حروف المعجم تسعة

وعشرون حرفا، وقد وضعت أشكالها على تسعة عشر شكلا. فمنها ما يشترك في الصّورة الواحدة منه الحرفان: كالدال والذال والراء والزاي، والسين والشين.

ومنها ما يشترك في الصورة الواحدة منه الثلاثة: كالباء والتاء والثاء، والجيم والحاء والخاء. ومنها ما ينفرد بصورة واحدة كالألف. ومنها ما لا يلتبس حالة الإفراد، فإذا ركّب ووصل بغيره التبس، كالنون والقاف، فإن النون في حالة الإفراد منفردة بصورة، فإذا ركّبت مع غيرها في أوّل كلمة أو وسطها، اشتبهت بالباء وما في معناها؛ والقاف إذا كانت منفردة لا تلتبس، فإذا وصلت بغيرها أوّلا أو وسطا التبست بالفاء، فاحتيج إلى مميز يميّز بعض الحروف من بعض: من نقط أو إهمال ليزول اللّبس، ويذهب الاشتراك.

قال الشيخ أثير الدين أبو حيان: ولذلك ينبغي أن القاف والنون إذا كتبا في حالة الإفراد على صورتهما الخاصّة بهما لا ينقطان، لأنه لا شبه بينهما ولا يشبهان غير هما، فيكونان إذ ذاك كالكاف واللام. قال: ومنع بعض مشايخنا الاشتراك في صورة الحروف، وقال: الصورة والنقط مجموعهما دالّ على كل الحرف.

إذا تقرّر ذلك فالنقط مطلوب عند خوف اللّبس، لأنه إنما وضع لذلك؛ أما مع أمن اللّبس فالأولى تركه لئلا يظلم الخطّ من غير فائدة.

فقد حكي أنه عرض على عبد الله بن طاهر خطّ بعض الكتّاب فقال: ما أحسنه! لولا أنه أكثر شونيزه.

وقد حكى محمد بن عمر المدائني أن جعفرا المتوكل كتب إلى بعض

عمّاله أن أحص من قبلك من المدنيّين وعرّفنا بمبلغ عددهم، فوقع على الحاء نقطة فجمع العامل من كان في عمله منهم وخصاهم فماتوا غير رجلين أو واحد.

وقد حكى المدائني عن بعض الأدباء أنه قال: كثرة النّقط في الكتاب سوء ظنّ بالمكتوب إليه.

أما كتّاب الأموال فإنهم لا يرون النقط بحال؛ بل تعاطيه عندهم عيب في الكتابة.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.