من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الخليج الأول المنهى
وهو الخليج الذي حفره «يوسف الصدّيق ﵇» ومخرجه بالقرب من دروة سربام، من عمل الأشمونين الآتي ذكرها، وهي المعروفة بدروة
الشّريف، ويأخذ شمالا إلى مدينة البهنسى، ثم إلى قرية اللاهون من عمل البهنسى، ويمرّ في الجبل حتّى يجاوزه إلى إقليم الفيّوم، ويمرّ بمدينته وينبثّ في نواحيه.
وهذا النهر من غرائب أنهار الدنيا تجفّ فوّهته في أيام نقص النيل، وباقيه يجري في موضع ويجف في آخر إلى إقليم الفيّوم، فيجري شتاء وصيفا من أعين تتفجر منه ولا يحتاج إلى حفر قطّ.
ويقال: إن «يوسف ﵇» حفره بالوحي ومياهه منقسمة على استحقاق مقدّر، كما في دمشق من البلاد الشامية.
وقال في «الروض المعطار»: وكانت مقاسمه بحجر اللّاهون على القرب من القرية المنسوبة إليه المتقدّمة الذكر. قال: وهو من عجائب الدنيا، وهو شاذروان بين قبتين من أحكم صنعة، مدرّج على ستين درجة، فيها فوّارات في أعلاها وفي وسطها وفي أسفلها، يسقي الأعلى الأرض العليا، والأوسط الأرض الوسطى، والاسفل الأرض السّفلى بوزن وقدر معلوم.
قال: ويقال إن يوسف ﵇ عمله بالوحي، وإنّ ملك مصر يومئذ لما عاينه قال هذا من ملكوت السماء.
ويقال إنه عمل من الفضّة والنّحاس والرخام.
قلت: قد ذهبت معالم هذا اللاهون وبقي بعض بنائه ونقلت المقاسم الى مكان آخر بالفيوم تسقى الآن الأراضي على حكمها.
ومن غرائب أمره أن به التماسيح التي لا تحصى كثرة، ولم يشتهر في زمن من الأزمان أنها آذت أحدا قطّ.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع