من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
المقصد الثاني في خواصّه وعجائبه
أما خواصّه فإنّ به الأماكن التي تعظّمها الأمم على اختلاف عقائدهم كالصّخرة التي هي قبلة اليهود، والقمامة التي يحجّها النصارى من سائر أقطار الأرض، وطور نابلس الذي تحجّه السامرة؛ وبمدينة صور كنيسة تعتقد طائفة من النصارى أنه لا يصح تمليك ملوكهم إلا منها، على ما سيأتي ذكره في الكلام على أعمال صفد إن شاء تعالى، وغير ذلك مما تنقاد به الأمم إلى صاحب هذه المملكة وتذعن لمسالمته.
وأما عجائبه فكثيرة.
منها: (حمّة طبريّة) المشهورة: وهي عين تنبع ماء شديد الحرارة يكاد يسلق البيضة، يقصدها المتردّدون للاستشفاء بالاغتسال فيها. قال ابن الأثير في «عجائب المخلوقات»: وليس فيها حمّام يوقد فيه النار إلا الحمّام الصغير.
ومنها: (قبّة العقارب) بمدينة حمص. وهي قبّة بالقرب من مسجدها الجامع، إذا أخذ شيء من تراب حمص وجبل بالماء وألصق بداخل تلك القبّة وترك حتّى يجفّ ويسقط بنفسه من غير أن يلقيها أحد ثم أخذت ووضع منها
شيء في بيت لم يدخله عقرب، أو في قماش لم يقربه، وإن ذرّ على عقرب منه شيء أخذها مثل السّكر فربما زاد عليها فقتلها، بل قيل إن ذلك لا يختصّ بالقبة بل عامّة أرض البلد كذلك حتّى لا يدخلها عقرب إلا مات، بل لا يقرب ثيابا ولا أمتعة عليها غبارها، وإلى ذلك أشار القاضي الفاضل في البشرى بفتوحها بقوله:
«ودبّت إليها عقارب المجانيق فخالفت عادة حمص في العقارب، ورميت الحجارة بالحجارة فوقعت العداوة المعروفة بين الأقارب».
ومنها: (عين فوّارة) داخل البحر الملح على القرب من ساحل مدينة طرابلس على قدر رمية حجر عن البئر، تنبع ماء عذبا يطفو على وجه الماء قدر ذراع أو أكثر يتبين عند سكون الريح.
ومنها: (وادي الفوّار) وهو واد بالقرب من حصن الأكراد من عمل طرابلس غربا عنه بشمال على الطريق السالكة. قال في «مسالك الأبصار»:
وهي صفة بئر قائمة في الأرض، وفي سفل الأرض سرداب ممتدّ إلى الشّمال يفور في كل أسبوع يوما واحدا لا غير، فتسقى به أرض ومزدرعات، وينزل عليه التّركمان ويردونه؛ ويسمع له قبل فورانه دويّ كالرعد، وهو في بقية الأيام يابس لا ماء فيه. قال: وذكر لي من دخل السّرداب أن في نهايته نهرا كبيرا آخذا من الغرب إلى الشرق تحت الأرض؛ له جريان قويّ، وبه موج وريح عاصف، لا يعرف إلى أين يجري ولا من أيّ جهة يأتي.
ومنها: (حمّام القدموس) من قلاع الدعوة من عمل طرابلس يخرج منها أنواع كثيرة من الحيات تظهر من أنابيب مائها وتدخل في ثياب داخلها، ولم يشتهر أنها أضرّت أحدا قطّ على ممرّ الدّهور وتطاول الأزمنة، حكاه
في «مسالك الأبصار».
ومنها: (صدع) في سور الخوابي من قلاع الدعوة من عمل طرابلس أيضا. إذا لدغ أحد بحيّة فأتى إلى ذلك الموضع فشاهده بعينه أو أرسل رسوله فشاهده، سلم من تلك اللّدغة، ولم يضره السّمّ. إلى غير ذلك من العجائب الظاهرة والمندرسة بمرور الزمان عليها.
قال ابن الأثير: وبقرى حلب قرية تسمّى براق، يقال إن بها معبدا يقصده أصحاب الأمراض ويبيتون به. فإما أن يرى المريض في منامه من يقول له استعمل كذا وكذا فيبرأ، أو يمسح عليه بيده فيبرأ. قال في تاريخه: وبقرية مبرون من قرى صفد مغارة يظهر فيها الماء في يوم من السنة تجتمع إليه اليهود في ذلك اليوم، ويجلبون منه الماء إلى البلاد البعيدة؛ وبوادي دلسه من عملها عين تعرف بعين الجن تفور لحظة كالنهر ثم تغور حتّى لا يبقى فيها ماء، ثم تفور كذلك ليلا ونهارا؛ وبقرية بكوزا من قرى صفد عنب داخل العنبة عنبة أخرى؛ وبقرية عدشيب من قراها بلّوط يؤخذ الواحد منه من الشجرة فيوجد حضنها حجر؛ وبقرية عياض تراب الجير إذا عمل منه كوز وسقي فيه الكسير من آدميّ أو غيره، جبر عظمه؛ وبالناصرة من أعمالها كنيسة بها عمود إذا اجتمع عنده جماعة وعملوا سماعا عرق العمود حتّى يظهر عرقه.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع