من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الجملة الثالثة في ترتيب النيابة بها
وتوافق ترتيب السلطنة في الديار المصرية في بعض الأمور، وتخالفها في
بعض. وكان عادة النائب بها في المواكب أن يركب في العسكر من الأمراء ومقدّمي الحلقة وأجنادها في كل يوم اثنين وخميس، ويخرجون إلى سوق الخيل تحت القلعة فيسيّرون خيولهم، وتعرض عليهم خيول المناداة وغيرها من آلات السلاح ونحوها، وينادى بينهم على العقار من الدور والضّياع وغيرها، ولا يتعدّون سوق الخيل إلى غيره. أما الآن فإنهم قد رفضوا التسيير بسوق الخيل، وصار النائب يخرج بالعسكر إما إلى ميدان ابن أتابك، وإما إلى قبة يلبغا: قبليّ دمشق، وإما إلى المزّة غربيّ دمشق، وإما إلى القابون شماليّ دمشق على حسب ما يختاره، فيسيّرون هناك بدلا من تسيرهم بسوق الخيل، ولا يسيّرون بسوق الخيل إلا في يوم مهمّ من حضور رسل من بعض الملوك الغرباء ونحو ذلك. فإذا فرغوا من التسيير عند ارتفاع النهار، عاد النائب في موكبه حتّى يأتي باب الحديد من أبواب القلعة، ويقف الأمراء على ترتيب منازلهم، وينادى بينهم على العقار والدّور وغيرها، وكذلك الخيول والسلاح. ثم يسير النائب إلى دار النيابة، فإن كان في المواكب سماط تقدّم الأمراء في خدمته، ويترجل مماليكه من سوق الخيل، ثم الأمراء على القرب من دار النيابة على ترتيب منازلهم حتّى يكون ترجل المقدّمين على باب النيابة، ويبقى النائب راكبا وحده حتّى ينتهي إلى قاعة عظيمة معدّة للجلوس في المواكب بمثابة الإيوان الذي يجلس فيه السلطان بقلعة الجبل بالديار المصرية، ويصدّر بها كرسي من خشب مغشّى بغشاء من الحرير الأطلس الأصفر، وعليه سيف نمجاه، مسند إلى صدره، فيجلس النائب بصدر القاعة على مقعد مختصّ به، لا يشاركه أحد في الجلوس عليه، وخلفه بشتميخ منصوب وراء ظهره كعادة الأمراء، ويكون الكرسيّ المذكور على نحو ثلاثة أذرع منه؛ ويجلس قاضي القضاة الشافعيّ عن يمين النائب على نحو ثلاثة أذرع منه، مسندا ظهره إلى جدار صدر القاعة، ويجلس قاضي القضاة الحنفيّ عن يمينه، وقاضي القضاة المالكيّ عن يمين الحنفيّ، وقاضي القضاة الحنبليّ عن يمين
المالكيّ، وقاضي العسكر الشافعيّ عن يمين قاضي القضاة الحنبليّ، وقاضي العسكر الحنفيّ عن يمين قاضي العسكر الشافعيّ، صفّا مساويا للنائب في صدر القاعة؛ ويجلس كاتب السر من جهة يسار النائب ملاصقا لمقعده الذي هو جالس عليه، جاعلا يمينه إلى جدار صدر القاعة وظهره إلى جهة الكرسيّ بانحراف قليل لمواجهة النائب؛ وكتّاب الدست بالميسرة تحته بالتدريج على حسب القدمة صفّا ممتدا من كاتب السر إلى جهة باب القاعة، ويجلس الوزير مقابل كاتب السر من الجانب الآخر على سمت يمين قاضي القضاة الحنبليّ، ويجلس ناظر الجيش تحته، وكتّاب الدست بالميمنة تحت ناظر الجيش على الترتيب بالقدمة أيضا، آخذا من الوزير إلى جهة باب القاعة، فيصير كاتب السر والوزير ومن يسامتهما صفين متقابلين، ويجلس أتابك العساكر من الأمراء في رأس الميمنة خلف الوزير على بعد، وبقية الأمراء المقدّمين تحته على الترتيب بحسب القدمة، وأمراء الطبلخاناه بالميمنة تحتهم كذلك حتّى يصيروا صفّا آخر كصف الوزير ومن معه؛ ويجلس المقدّمون من أمراء الميسرة خلف كاتب السر ومن معه وتحتهم الطبلخاناه على الترتيب المتقدّم صفّا آخر مقابلا لصف الميمنة بحيث يكون أوّله خارجا عن يسار الكرسيّ. ويكون بين النائب ورأس الميمنة نحو خمسة أذرع، وبينه وبين رأس الميسرة نحو عشرة أذرع، وتقف طائفة من أمراء العشرات والخمسات ومقدّمي الحلقة بالميمنة صفّا مستقيما خلف الأتابك والأمراء الجلوس في صفّه على ترتيب منازلهم، ويقف مماليك النائب عن يسار الكرسيّ صفّا آخذا من خلف أوّل مقدّمي الميسرة بانحراف فيه إلى خلف، وطائفة من مقدّمي الحلقة خلف الأمراء الجالسين في الفرجة الواقعة بينهم وبين مماليك النائب؛ ويجلس حاجب الحجّاب أمام النائب في آخر صفي الموقعين الممتدّين من كاتب السر والوزير بميلة إلى صف الميمنة؛ ويقف بقية الحجاب خلفه، ونقباء الجيش خلفهم. وترفع القصص فيتناولها نقباء الجيش ويوصلونها إلى حاجب الحجّاب فيتناولها ويقوم فيوصّلها إلى كاتب السر فيفرّقها على الموقّعين، ويبتديء هو بالقراءة فيقرأ ما بيده من القصص ويوقّع عليها بما يرسم به النائب، ثم يقرأ الذي
يليه، ثم الذي يليه إلى آخر صفه. فإذا فرغ ذلك الصف من القراءة، قرأ من هو أوّل الصف الذي في جانب الوزير، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه إلى آخر الصف. فإذا انتهت القراءة، قام القضاة ومن في صفهم وكاتب السر والوزير وناظر الجيش وسائر أرباب الأقلام فينصرفون، فإذا انقضى المجلس وانصرف القضاة ومن معهم، مدّ السّماط، ويجلس النائب على رأس السماط والأمراء ومقدّمو الحلقة على ترتيب منازلهم فيأكلون، ثم يرفع السماط ويتحوّل النائب إلى طرف الإيوان فيجلس فيه، ويجلس قدّامه كاتب السر وناظر الجيش وتأتي المحاكمات فيفصلها، ويقرأ عليه كاتب السر ما يرفع في ذلك المجلس من القصص؛ ويتكلم مع ناظر الجيش فيما يتعلق بأمر الجيش والإقطاعات، ثم يقوم من مجلسه ذلك وينصرف كاتب السر وناظر الجيش.
قال في «مسالك الأبصار»: وتزيد عساكر الشام على غيرها ركوب يوم السبت.
قلت: وهو ركوب مجرّد ليس فيه دار عدل ولا سماط. على أنه ربما أهمل حضور دار العدل ومدّ السماط في يومي الاثنين والخميس أيضا كما في الديار المصرية.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع