من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الضرب الثاني في مخاليفها وقراها، والمشهور منها ثمانية أماكن
الأول- (قباء) - بضم القاف وفتح الباء الموحدة وألف في الآخر- ويروى بالمدّ والقصر والمدّ أشهر. قال في «الروض المعطار»: ومن العرب من يذكّره فيصرفه، ومنهم من يؤنثه فلا يصرفه. قال: وسميت قباء ببئر كانت بدار توبة ابن الحسن بن السائب بن أبي لبابة يقال لها قباء، وهي قرية غربيّ المدينة على ميلين منها، وبها مسجد التّقوى الذي أخبر الله تعالى عنه بقوله: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ
. وقد روي أن رسول الله ﷺ كان
يأتي قباء كل يوم سبت راكبا وماشيا؛ ومصلّاه بها مشهور.
الثاني- (خيبر) - بفتح الخاء المعجمة وسكون الياء المثناة تحت وفتح الباء الموحدة وراء مهملة في الآخر- قال الزجاجيّ: سميت بخيبر بن قانية وهو أول من نزلها، وهي بلدة بالقرب من المدينة الشريفة. قال ابن سعيد: طولها أربع وستون درجة وست وخمسون دقيقة، وعرضها سبع وعشرون درجة وعشرون دقيقة. وهي بلدة عامرة آهلة ذات نخيل وحدائق ومياه تجري. قال في «تقويم البلدان»: وهي بلدة بني عنزة من اليهود، والخيبر في لغة اليهود الحصن، وهي في جهة الشّمال والشرق عن المدينة على نحو ست مراحل وقيل أربع مراحل. قال الإدريسيّ: وهي ذات نخيل وزرع، وكانت في صدر الإسلام دارا لبني قريظة والنّضير، وبها كان السّموءل بن عاديا الشاعر المشهور.
الثالث- (فدك) - بفتح الفاء والدال المهملة وكاف في الآخر- قال الزجاجيّ: سميت بفدك بن حام، وقيل: سميت بفيد بن حام، وهو أول من نزلها.
قال في «الروض المعطار»: وبينها وبين المدينة يومان، وحصنها يقال له الشمروخ على القرب من خيبر، وكان أهلها قد صالحوا النبيّ ﷺ على النصف من ثمارها في سنة أربع من الهجرة، ولم يوجف عليها المسلمون بخيل ولا ركاب فكانت له ﷺ خالصة؛ وكان معاوية بن أبي سفيان قد وهبها لمروان بن الحكم، ثم ارتجعها منه لموجدة وجدها عليه. فلما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة، ردّها إلى ما كانت عليه في زمن رسول الله ﷺ، وكانت تغلّ في أيام إمرته عشرة آلاف دينار، يتجافى عنها.
الرابع- (الصّفراء) - مؤنث أصفر- وهو واد على ستّ مراحل من المدينة كثير المزارع والمياه والحدائق. أخبرني بعض أهل الحجاز أن به أربعة وعشرين نهرا على كل نهر قرية، وعيونه تصب فضلها إلى ينبع؛ وهو بيد بني حسن الشرفاء.
الخامس- (ودّان) - بفتح الواو وتشديد الدال المفتوحة وألف ثم نون- وهو واد به قرى خراب لا تحصى كثرة.
السادس- (الفرع) - بضم الفاء وسكون الراء المهملة وبالعين المهملة- وهو واد في جنوبيّ المدينة على أربعة أيام منها يشتمل على عدّة قرى آهلة، أخبرني بعض أهل الحجاز أن به أربعة عشر نهرا على كل نهر قرية، وماؤها يصب في رابغ حيث يحرم حجّاج مصر، وعليها طريق المشاة من مكة إلى المدينة. قال في «الروض المعطار»: ويقال إنها أول قرية مارت إسماعيل ﵇ التمر بمكة، وهي الآن بيد بني حرب.
السابع- (الجار) - قال في «اللباب»: بفتح الجيم وألف وراء مهملة- وهي فرضة المدينة الشريفة على ثلاث مراحل منها. قال ابن حوقل: وبينها وبين ساحل الجحفة نحو ثلاث مراحل، منه عن أيلة على نحو عشرين مرحلة.
الثامن- (وادي القرى) - بضم القاف وفتح الراء المهملة وألف في الآخر جمع قرية. قال في «الروض المعطار»: وهي مدينة كثيرة النخيل والبساتين والعيون، وبها ناس من ولد جعفر بن أبي طالب ﵁، وهم الغالبون عليها، وتعرف بالواديين، والذي أخبرني به بعض أهل الحجاز أنه كان بها عيون كثيرة عليها عدّة قرى فخربت لاختلاف العرب، وهي الآن خراب لا عامر بها ولو عمرت أغنت أهل الحجاز عن الميرة من غيرها.
قلت: وبالغ الإدريسيّ في «نزهة المشتاق» فعدّ من مخاليفها تيماء ودومة الجندل، ومدين، والتحقيق خلاف ذلك.
فأمّا تيماء- بفتح التاء المثناة من فوق وسكون الياء المثناة من تحت وميم ثم ألف في الآخر- فقد عدّها في «تقويم البلدان» من بادية الشأم تقريبا. قال في «العزيزيّ»: وهي حاضرة طيىء وبها الحصن المعروف بالأبلق المنسوب إلى السّموءل بن عاديا. قال في «تقويم البلدان»: وهي الآن أعمر من تبوك، وبها نخيل قائمة.
وأما دومة الجندل فقال في «تقويم البلدان»: هو موضع فاصل بين الشأم والعراق على سبع مراحل من دمشق، وبينه وبين المدينة الشريفة ثلاث عشرة مرحلة.
وأما مدين فقد تقدّم ذكرها في الكلام على كور مصر القديمة، ووقع الكلام عليها هناك وإن كان الحق أنها من ساحل الحجاز.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع