تجاوز إلى المحتوى

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)

الجملة السادسة فيما بهذه المملكة من النفائس العليّة القدر، والعجائب الغريبة الذكر، والمنتزهات المرتفعة الصيت

وقد ذكر في «مسالك الأبصار» بها عدّة نفائس وعجائب.

أما النفائس فإن بها مغاص اللؤلؤ ببحر فارس بجزيرة كيش وعمان، وهما من أحسن المغاصات وأشرفها وأعلاها قدرا في حسن اللؤلؤ على ما تقدّم ذكره في الكلام على الأحجار النفيسة فيما يحتاج الكاتب إلى معرفته في المقالة الأولى.

وبالدّامغان في جبلها معدن ذهب. قال الشيخ شمس الدين الأصفهانيّ:

وهو قليل المتحصّل لكثرة ما يحتاج إليه من الكلف حتّى يستخرج وببذخشان شرقيّ عراق العجم البازهر الحيوانيّ الذي لا يباريه شيء في دفع السّموم يوجد في الاياييل التي هناك، وقد مرّ ذكره في الكلام على ما يحتاج الكاتب إلى معرفته في المقالة الأولى.

وبها الإثمد الأصفهانيّ الذي لا يساوى رتبة، وقد مرّ ذكره في الكلام على

ما يحتاج الكاتب إلى معرفته في المقالة الأولى، ولكنه قد عزّ الآن حتّى لا يكاد يوجد قال المقرّ الشهابيّ بن فضل الله: سألت الشيخ شمس الدين الأصفهانيّ عن سبب قلّته، فقال: لا نقطاع عرقه فما بقي يوجد منه إلا ما لا يرى. قال في «مسالك الأبصار»: وبهذه المملكة مستعملات القماش الفاخر من النخ والمخمل، والكمخا، والعتابي، والنصافي، والصوف الأبيض الماردينيّ، وتعمل بها البسط الفاخرة في عدّة مواضع مثل شيراز وأقصرا وتوريز إلى غير ذلك من الأشياء النفيسة التي لا يضاهيها غيرها فيها.

وأما العجائب، فقد ذكر الشيخ شمس الدين الأصفهانيّ أن بمدينة قشمير على ثلاثة أيام عن أصفهان عين ماء سارحة يسمّى ماؤها بماء الجراد، إذا حمل ماؤها في إناء وعلق في تلك الأرض على عال، أتاها طير يقال له سار فأكل ما فيها من الجراد حتّى لا يدع منه شيئا بشرط أن لا يوضع على الأرض حتّى يؤتى به إلى مكان الجراد فيعلّق. وحكى محمد بن حيدر الشيرازيّ في مصنف له: أن بين الدّامغان وأستر اباذ من خراسان عينا ظاهرة إذا ألقيت فيها نجاسة فار ماؤها وأزبدت شيئا تبعته دودة طول أنملة الإنسان حتّى لو حمل الماء تسعة وكان معهم عاشر لم يحمل الماء، تبع كلّ واحد ممن حمل الماء دودة، ولم يتبع الآخر منها شيء، فلو قتل واحد منهم تلك الدودة استحال الماء مرّا لوقته، وكذلك ماء كلّ من هو وراءه، ولا يستحيل ماء من هو إلى جانبه مرّا. قال ابن حوقل: وبكورة سابور من بلاد فارس جبل فيه صورة كل ملك وكلّ مرزبان معروف للعجم وكل مذكور من سدنة النّيران. وفي كورة أرجان في قرية يقال لها طبريان [بئر] يذكر أهلها أنهم امتحنوا قعرها بالمثقلات فلم يلحقوا لها قعرا، ويفور منها ماء بقدر ما يدير رحى تسقي أرض تلك القرية. قال: وفي كورة رستاق [بئر] تعرف بالهنديجان بين

جبلين يخرج منها دخان لا يستطيع أحد أن يقربها، وإذا طار عليها طائر سقط فيها واحترق. وبناحية داذين نهر ماء عذب يعرف بنهر أخشين، يشرب منه الناس وتسقى به الأرض، وإذا غسلت به الثياب خرجت خضرا.

وأما المنتزهات فبها نهر الأبلّة وشعب بوّان- وهما نصف منتزهات الدنيا الأربعة: وهي نهر الأبلّة وشعب بوّان المذكوران وصغد سمرقند وغوطة دمشق.

وقد تقدّم أن نهر الأبلّة نهر شقّه زياد مقابلة نهر معقل، وبينهما البساتين والقصور العالية والمباني البديعة، يتسلسل مجراه، وتتهلل بكره وعشاياه، ويظله الشجر وتغنّي به زمر الطير. وفيه يقول القاضي التنوخيّ من أبيات:

وإذا نظرت إلى الأبلّة خلتهامن جنّة الفردوس حين تخيّل
للشاعر القاضي التنوخي، اقرأ القصيدة
كم منزل في نهرها آلى السّروربأنّه في غيرها لا ينزل
وكأنّما تلك القصور عرائسوالرّوض حلي وهي فيه ترفل

وشعب بوّان- وهو عدّة قرى مجتمعة ومياه متصلة، والأشجار قد غطّت تلك القرى فلا يراها الإنسان حتّى يدخلها، وهو بظاهر همذان يشرف عليها من جبل، وهو في سفح الجبل والأنهار تنحطّ عليه من أعلى الجبل، وهو من أبدع بقاع الأرض منظرا. قال المبرد: أشرفت على شعب بوّان فنظرت فإذا بماء ينحدر كأنه سلاسل فضة، وتربة كالكافور، وثريّة كالثوب الموشّى، وأشجار متهادلة، وأطيار متجاوبة. وفيه يقول أبو الطّيّب المتنبي حين مرّ به:

مغاني الشّعب طيبا في المغانيبمنزلة الرّبيع من الزّمان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»
ولكنّ الفتى العربيّ فيهاغريب الوجه واليد واللّسان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.