من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الطرف الرابع (في الصلاة والسّلام على النبيّ ﷺ وعلى آله وصحبه في أوائل الكتب)
لا نزاع في أن الصلاة على النبيّ ﷺ مطلوبة في الجملة، وناهيك في ذلك قوله تعالى في محكم التنزيل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً
والأحاديث الواردة في الحثّ على ذلك أكثر من أن تحصر، فناسب أن تكون في أوائل الكتب، تيمّنا وتبرّكا. وقد جاء في تفسير قوله تعالى: وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ
أن المعنى ما ذكرت إلا وذكرت معي. فإذا أتي بالحمد في أوّل كتاب، ناسب أن يؤتى بالصلاة على النبيّ ﷺ في أوّله، إتيانا بذكره بعد ذكر الله تعالى. وقد روي من حديث ابن عبّاس ﵄ أن النبيّ ﷺ قال: «من صلّى عليّ في كتاب لم تزل الصلاة جارية له ما دام اسمي في ذلك الكتاب». قال الشيخ عماد الدين في تفسيره: إلا أنه ضعيف، ضعّفه المحدّثون. قال محمد بن عمر المدائنيّ في «كتاب القلم والدواة»: وقد رأينا بعض الكتّاب لا يرى الصلاة على النبيّ ﷺ في الكتب، فباءوا بأعظم الوزر مع ما فاتهم من الثواب.
وأمّا السّلام عليه ﷺ بعد التصلية، فقد قال الشيخ محيي الدين النوويّ في كتابه «الأذكار»: وإذا صلّى على النبيّ ﷺ فليجمع بين الصلاة والتسليم ولا يقتصر على أحدهما فلا يقال صلّى الله عليه فقط، ولا ﵇ فقط. قال الشيخ عماد الدين بن كثير: وهذا منتزع من قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِ
الآية.
وأما الصلاة على الآل والصحب بعد الصلاة على النبيّ ﷺ، فقد نقل
الشيخ عماد الدين بن كثير في تفسيره الإجماع على جواز الصلاة على غير الأنبياء ﵈ بطريق التبعيّة، مثل أن يقال: اللهمّ صلّ على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وأزواجه وذريّته ونحو ذلك. ثم قال: وعلى هذا يخرج ما يكتبونه من قولهم: وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه فلا نزاع فيه، وإنما الخلاف في جواز إفراد غير الأنبياء ﵈ بالصلاة: فأجازه قوم محتجّين بنحو قوله تعالى: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ
وقوله ﷺ: «اللهمّ صلّ على آل أبي أوفى». ومنعه آخرون احتجاجا بأن الصلاة صارت شعارا للأنبياء ﵈ فلا يلحق بهم غيرهم، فلا يقال: أبو بكر ﷺ وإن كان المعنى صحيحا، كما لا يقال: محمد ﷿، وإن كان عزيزا جليلا.
ثم الصحيح من مذهب الشافعيّ، ﵁، أن ذلك لا يجوز في غير التبعية. وحكى النوويّ في «الأذكار» فيه قولا بأنه كراهة تحريم، وقولا بأنه كراهة تنزيه، وقولا بأنه خلاف الأولى، ورجّح كونه كراهة تنزيه، لأنه شعار أهل البدع.
وأما السّلام على غير الأنبياء فحكى النوويّ عن أبي محمد الجوينيّ منعه في الغائب من حيّ وميّت وأنه لا يفرد به غير الأنبياء، فلا يقال: عليّ ﵇، بخلاف الحاضر فإنه يخاطب به.
إذا علمت ذلك فالصلاة وتوابعها في أوائل الكتب قد تكون بعد التحميد في الخطبة كما في الولايات [والمكاتبات] المفتتحة بالخطب من البيعات والعهود والتقاليد والتفاويض والتّواقيع والمراسيم وغيرها، وكما في الكتب المفتتحة بالخطب. وقد تكون في صدور المكاتبات المفتتحة بغير الخطب، كما كان يكتب في القديم في صدور المكاتبات «وأسأله أن يصلّي على محمد
عبده ورسوله» وهو مما أحدثه الرشيد في المكاتبات. قال في «ذخيرة الكتّاب»: وكان ذلك من أجلّ مناقبه. وكان الخلفاء الفاطميون بمصر يقولون عن لسان الخليفة: ويسأله أن يصلّي على جدّه محمد، ويخصون الصلاة بعده بأمير المؤمنين عليّ ﵁ على طريقة الشّيعة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع