تجاوز إلى المحتوى

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)

الطرف الخامس (في السّلام في أوّل الكتب)

إنما جعل السّلام في ابتداء الكتب وصدورها لأنه تحية الإسلام المطلوبة لتأليف القلوب، فكما أنه يفتتح به الكلام طلبا للتأليف كذلك تفتتح به المكاتبات وتصدّر طلبا للتأليف، إذ يقول ﷺ: «ألا أنبّئكم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم! أفشوا السّلام بينكم». قال في «الصناعتين»: وتقول في أوّل كتابك:

«سلام عليك» وفي آخره «والسّلام عليك «والمعنى فيه أن الأوّل نكرة إذ لم يتقدّم له ذكر والثاني معرفة يشار به إلى السّلام الأوّل على حدّ قوله تعالى:

كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ

فأتى في الأوّل بتنكير الرسول وفي الثاني بتعريفه. وكذلك قال تعالى في سورة مريم في قصة يحيى ﵇: وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا

لعدم تقدّم ذكر السّلام؛ ثم قال بعد ذلك في قصّة عيسى ﵇:

وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا

وإلى ذلك يشير أحمد بن يوسف بقوله: اكتب في أوّل كتابك سلام عليك واجعله تحية، وفي آخره «والسّلام عليك» واجعله وداعا. وذلك أن سلام التحية يكون ابتداء فيكون نكرة، وسلام الوداع يكون انتهاء فيكون معرفة لرجوعه إلى الأوّل. وقد

كره بعض العلماء أن يقال في الإبتداء: عليك السّلام، احتجاجا بما روي عن أبي مكعت الأسديّ أنه قال «أتيت رسول الله ﷺ فأنشدته»:

يقول أبو مكعت صادقا:عليك السّلام أبا القاسم!

فقال: يا أبا مكعت عليك السّلام تحيّة الموتى». وجعل ابن حاجب النّعمان من ذلك قول عبدة بن الطّبيب:

عليك سلام الله قيس بن عاصمورحمته ما شاء أن يترحّما
للشاعر عَبدَةِ بنِ الطَبيب، اقرأ القصيدة

قال ابن حاجب النعمان: ويكتب السّلام بإسقاط الألف في صدر الكتاب وعجزه. قال أبو جعفر النحاس: وقولهم في أوّل الكتاب سلام عليك، بالرفع ويجوز فيه النصب والاختيار الرفع وإن كان النّحاة قد قالوا: إنّ ما كان مشتقّا من فعل فالاختيار فيه النصب نحو قولك سقيا لك؛ لأن معنى السّلام في الرفع أعمّ، إذ ليس يريد أفعل فعلا، فيكون المعنى تحية عليك بنصب تحية. وقيل: سلام عليك بمعنى سلام لك. وسيأتي الكلام على إتباع السّلام الرحمة في الكلام على الخواتم فيما بعد إن شاء الله تعالى.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.