تجاوز إلى المحتوى

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)

الجملة الخامسة (في بيان صورة ابتدائهم وضع التاريخ من الهجرة)

قال في «ذخيرة الكتّاب»: لما أراد عمر التأريخ، جمع الناس للمشورة، فقال بعضهم: نؤرّخ بمبعث النبيّ ﷺ وقال بعضهم: بل بوفاته- وقال بعضهم: بل بهجرته من مكة إلى المدينة؛ لأنها أوّل ظهور الإسلام وقوّته.

فصوّبه عمر واجتمع رأيه عليه؛ وكان النبيّ ﷺ قد ولد في عام الفيل المقدّم ذكره في التواريخ القديمة. قال في «ذخيرة الكتّاب»: وكان وقوع ذلك في اليوم الثاني عشر من شباط سنة ثمانمائة واثنتين وثمانين لذي القرنين. وبعث النبيّ ﷺ على رأس أربعين سنة من ولادته، وأقام بمكة بعد النبوّة عشر سنين؛ ثم هاجر إلى المدينة في شهر ربيع الأوّل بعد عشر من النبوّة، وقدم المدينة لاثنتي عشرة ليلة منه.

ثم بعد اتفاقهم على التأريخ من الهجرة اختلفوا في الشهر الذي تقع البداءة به، فأشار بعضهم بالبداءة برمضان لشرفه وعظمه- فقال عمر بل بالمحرّم؛ لأنه منصرف الناس من حجّهم، فرجعوا القهقرى ثمانية وستين يوما، وهي القدر الذي مضى من أوّل المحرّم [إلى ذلك الوقت] واستقر تاريخ الإسلام من الهجرة.

قال القضاعي في «عيون المعارف»: وكان ذلك في سنة تسع عشرة أو ثماني عشرة من الهجرة.

قلت: واستقرّت تواريخ الأمم على أربعة تواريخ، ابتداء بعضها مقدّم على ابتداء بعض.

أوّلها- غلبة الإسكندر على الفرس. وعليه تاريخ السّريان والرّوم إلى زماننا.

والثاني- ملك دقلطيانوس ملك الروم على القبط. وعليه تاريخ القبط إلى زماننا.

والثالث- الهجرة النبوّية على صاحبها أفضل الصلاة والسّلام. وعليها مدار التاريخ الإسلاميّ.

والرابع- هلاك يزدجرد آخر ملوك الفرس. وبه تؤرّخ الفرس إلى زماننا، وقد تقدّم بيان بعد ما بين تاريخ كلّ من غلبة الإسكندر وملك دقلطيانوس وبين الهجرة في القبلية، وبعد ما بين تاريخ يزدجرد وبين الهجرة في البعدية في الكلام على أصول التواريخ، مع ما سبق في المقالة الأولى في بيان ما يحتاج إليه الكاتب من ذكر مقدار سنة كلّ منها وعددها من الأيام، وسيأتي الكلام على استخراج بعضها من بعض فيما بعد إن شاء الله تعالى.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.