من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الضرب الأوّل (ما كرهوه في المكاتبة إلى كل أحد)
قال في «موادّ البيان»: كانت عادتهم جارية أن يتجنّبوا من الأدعية مالا محصول له، كقولهم: جعلني الله فداك، وقدّمني إلى السّوء دونك؛ لما في ذلك من التصنّع والملق الذي لا يرضاه السلطان؛ لأن نفس الداعي لا تسمح باستجابته. ويؤيّد ما ذكره ما كتب به ابن عبد كان إلى بعض أصدقائه: جعلت فداك على الصحة والحقيقة، لا على مجرى المكاتبة ومذهب العادة. قال في «موادّ البيان»: وإنما يحسن ذلك من الخواصّ الذين يتحقّقون أن بقاءهم معذوق ببقاء رؤسائهم، وثبات نعمهم مقرون بثبات أيام سلاطينهم؛ لأنه يصدر عن عقائد مستحكمة من بذل الأنفس دونهم. وما ذهب إليه من كراهة ذلك قد نقل
في «صناعة الكتّاب» مثله عن مالك بن أنس، واحتجّ له بما روي عن الزبير ﵁ أنه قال للنبيّ ﷺ: «جعلت فداك- فقال له أما تركت أعرابيّتك بعد!» على أن بعضهم قد أجاز ذلك احتجاجا بقوله، ﷺ لسعد بن مالك يوم أحد: «ارم فداك أبي وأمّي» وبما روي عن ابن عباس، ﵄، أن النبيّ ﷺ قال له: «ألا أعلّمك كلمات ينفعك الله بهنّ؟ قال نعم جعلني الله فداك!» ولم ينكر عليه، ونحو ذلك؛ وفي معنى ذلك كلّ ما يجري هذا المجرى ونحوه.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع